فكان يحضره مجلس العامة ويحط منزلته، ويتهدده ويشتمه ويتوعده، واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور، فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان؛ وذلك في خامس شوال، سنة سبع وأربعين ومئتين.
ورئي في النوم، فقيل له:(ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها)(١).
ولما قتل .. رثته الشعراء، من ذلك قول يزيد المهلبي (٢):
جاءت منيته والعين هاجعة … هلا أتته المنايا والقنا قصد
[[وصيفة وفية للمتوكل]]
خليفة لم ينل ما ناله أحد … ولم يصغ مثله روح ولا جسد
وكان من حظاياه: وصيفة تسمى محبوبة، شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة، فلما قتل .. ضمت إلى بغا الكبير، فأمر بها يوما للمنادمة، فجلست منكسرة، فقال:(غني، فاعتلت، فأقسم عليها وأمر بالعود، فوضع في حجرها، فغنت ارتجالا:
أي عيش يلذ لي … لا أرى فيه جعفرا
ملك قد رأيته … في نجيع معرا
كل من كان ذا هيا م … وسقم فقد برا
غير محبوبة التي لو ترى الموت يشترى
لا شترته بما حوت … هـ يداها لتقبرا
إن موت الحزين أط … يب من أن يعمرا
فغضب بغا، وأمر بها فسجنت، فكان آخر العهد بها) (٣).
(١) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٧/ ١٧٠). (٢) البيتان في «مروج الذهب» (٥/٤١) و (تاريخ الإسلام) (١٨/ ٢٠٢). (٣) الخبر في «مروج الذهب» (٥/٤٣ - ٤٤)، و «تاريخ الإسلام» (١٨/ ٢٠٢ - ٢٠٣).