وفي سنة ثمان عشرة: امتحن الناس بالقول بخلق القرآن، فكتب إلى نائبه على بغداد: إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة؛ ممن لا نظر له ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم و برهانه .. أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور: أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه؛ وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على: أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه، وقد قال تعالى: ﴿إنا جعلنه قرء انا عربيا﴾ فكل ما جعله الله .. فقد خلقه؛ كما قال تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ وقال تعالى: ﴿نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها، وقال تعالى: ﴿أحكمت وايته ثم فصلت﴾ والله محكم كتابه ومفصله؛ فهو خالقه ومبتدعه.
ثم انتسبوا إلى السنة، وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك، وغروا به الجهال؛ حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم … إلى أن قال:
فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة؛ المنقوصون من التوحيد حظا، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق أن يتهم في صدقه، وتطرح شهادته ولا يوثق به .. من عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس: من كذب على الله ووحيه، وتخرص الباطل ولم يعرف الله حقيقة معرفته.
فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا، وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عملي، ولا واثق بمن لا يوثق بدينه.