وقدم طغرلبك في سنة سبع وأربعين، فذهب البساسيري إلى الرحبة، وتلاحق به خلق من الأتراك، وكاتب صاحب مصر فأمده بالأموال، وكاتب ينال أخا طغرلبك، وأطمعه بمنصب أخيه، فخرج ينال، واشتغل به طغرلبك.
ثم قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية، ووقع القتال بينه وبين الخليفة، ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور، وزيد في الأذان:«حي على خير العمل»، ثم خطب له في كل الجوامع إلا جامع الخليفة، ودام القتال شهرا.
ثم قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة، وسيره إلى عانة، فحبسه بها، وأما طغرلبك .. فظفر بأخيه وقتله، ثم كاتب متولي عانة في رد الخليفة إلى داره مكرما، فحصل الخليفة في مقر عزه في الخامس والعشرين من ذي القعدة، سنة إحدى وخمسين، ودخل بأبهة عظيمة والأمراء والحجاب بين يديه. وجهز طغرلبك جيشا، فحاربوا البساسيري، فظفروا به، فقتل وحمل رأسه إلى بغداد (١).
ولما رجع الخليفة إلى داره .. لم ينم بعدها إلا على فراش مصلاه، ولزم الصيام والقيام، وعفا عن كل من آذاه، ولم يسترد شيئا مما نهب من قصره إلا بالثمن، وقال: هذه أشياء احتسبناها عند الله، ولم يضع رأسه بعدها على مخدة. ولما نهب قصره .. لم يوجد فيه شيء من آلات الملاهي (٢).
[[نص رسالة الخليفة المسجون للكعبة]]
وروي: أنه لما سجنه البساسيري .. كتب قصة ونفذها إلى مكة، فعلقت في الكعبة فيها: (إلى الله العظيم من المسكين عبده، اللهم؛ إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهم؛ إنك غني بعلمك واطلاعك على خلقك عن
(١) تارخ بغداد (٤٠٣ - ٩/ ٣٩٩)، وتاريخ الإسلام (٢٢٩ - ٣١/ ٢٢٧). (٢) تاريخ الإسلام (٣١/ ٢٢٧).