وأخذ الممالك، وعزم على قصد الخليفة، فلم يتهيأ له كما تقدم (١)، فأمر أهل فرغانة والشاش وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفل إلى سمرقند وغيرها، ثم خربها جميعا؛ خوفا من التتار أن يملكوها؛ لعلمه أنه لا طاقة له بهم (٢).
ثم صار التتار يتخطفون ويتنقلون إلى سنة خمس عشرة، فأرسل فيها جنكزخان إلى السلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا، وقال الرسول: إن القان الأعظم يسلم عليك ويقول لك: ليس يخفى علي عظم شأنك، وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندي مثل أعز أولادي، وغير خاف عنك أنني ملكت الصين، وأنت أخبر الناس ببلادي، وأنها مثارات العساكر والخيول ومعادن الذهب والفضة، وفيها كفاية عن غيرها، فإن رأيت أن تعقد بيننا المودة، وتأمر التجار بالسفر لتعم المصلحتين .. فعلت.
فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه، وسر جنكزخان بذلك، واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار.
[[غدر خوارزم شاه بالتجار ثم موته]]
وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر، ومعه عشرون ألف فارس، فشرهت نفسه إلى أموال التجار، وكاتب السلطان يقول: إن هؤلاء القوم قد جاؤوا بزي التجار، وما قصدهم إلا التجسس، فإن أذنت لي فيهم؟
فأذن له بالاحتياط عليهم، فقبض عليهم، وأخذ أموالهم، فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول: إنك أعطيت أمانك للتجار فغدرت، والغدر قبيح، وهو من سلطان الإسلام أقبح؛ فإن زعمت أن الذي فعله خالك بغير أمرك .. فسلمه إلينا، وإلا .. سوف تشاهد مني ما تعرفني به، فحصل عند
(١) انظر ما تقدم (ص ٦٨٧). (٢) الكامل (١٢/ ٢٦٧ - ٢٧١)، وتاريخ الإسلام (٤٣/٢٥ - ٢٦).