خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله، فتجلد وأمر بقتل الرسل فقتلوا.
فيا لها من حركة؛ لما هدرت من دماء الإسلام أجرت بكل نقطة سيلا من الدم!
ثم سار جنكزخان إليه، فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور، ثم ساق إلى مرج همذان رعبا من التتار، فأحدق به العدو، فقتلوا كل من معه ونجا هو بنفسه، فخاض الماء إلى جزيرة، ولحقته علة ذات الجنب، فمات بها وحيدا فريدا، وكفن في شاش فراش كان معه، وذلك في سنة سبع عشرة، وملكوا جميع مملكة خوارزم شاه (١).
قال سبط الجوزي:(كان أول ظهور التتار بما وراء النهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بخارى وسمرقند وقتلوا أهلها، وحاصروا خوارزم شاه، ثم بعد ذلك عبروا النهر، وكان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان، فلم تجد التتار أحدا في وجوههم، فطووا في البلاد قتلا وسبيا، وساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان وقزوين في هذه السنة)(٢).
وقال ابن الأثير في «كامله»: (حادثة التتار من الحوادث العظمى، والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها .. لكان صادقا؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها.
ومن أعظم ما يذكرون: فعل بختنصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟!
فهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح؛ فإن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان، مثل كاشغر وبلاد شاغرق، ثم منها إلى بخارى وسمرقند، فيملكونها.
(١) تاريخ الإسلام (٤٤/٢٢ - ٢٥)، وفي النسخ: (همدان). (٢) تاريخ الإسلام (٤٤/٣٧ - ٣٨).