للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرا، ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون، ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحرافشة، إلى أن استهلت سنة ثمان وتسعين: فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسرا، فخرج الأمين بأمه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور، وتفرق عامة جنده وغلمانه، وقل عليهم القوت والماء.

[[سمر الأمين وشربه وتطيره وموته]]

قال محمد بن راشد: (أخبرني إبراهيم بن المهدي: أنه كان مع الأمين بمدينة المنصور، قال: فطلبني ليلة فأتيت، فقال: ما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر وضوءه في الماء، فهل لك في الشراب؟ فقلت: شأنك، فشربنا، ثم دعا بجارية اسمها ضعف، فتطيرت من اسمها، فأمرها أن تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي (١): [من الطويل]

كليب لعمري كان أكثر ناصرا … وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم

فتطير بذلك، وقال: غني غير هذا، فغنت: [من البسيط]

أبكى فراقهم عيني فأرقها … إن التفرق للأحباب بكاء

ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم … حتى تفانوا وريب الدهر عداء

فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم … حتى أؤوب وما في مقلتي ماء

فقال لها: لعنك الله، أما تعرفين غير هذا؟! فقالت: ظننت أنك تحب هذا، ثم غنت: [من المنسرح]

أما ورب السكون والحرك … إن المنايا كثيرة الشرك

ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان عن ملك … قد زال سلطانه إلى ملك

وملك ذي العرش دائم أبدا … ليس بفان ولا بمشترك


(١) البيت في «ديوانه» (ص ١٦٦).

<<  <   >  >>