للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فإن الملكة التي كانت قبلي كانت أقامتك مقام الرخ (١)، وأقامت نفسها مقام البيذق، فحملت إليك من أموالها أحمالا؛ وذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي .. فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وإلا .. فالسيف بيننا وبينك).

فلما قرأ الرشيد الكتاب .. استشاط غضبا حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه من الخوف، واستعجم الرأي على الوزير، فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه:

من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه.

ثم سار ليومه، فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل، وكانت غزوة مشهودة وفتحا مبينا، فطلب النقفور الموادعة، والتزم بخراج يحمله كل سنة، فأجيب، فلما رجع الرشيد إلى الرقة .. نقض الكلب العهد؛ لإياسه من كرة الرشيد في البرد، فلم يجسر أحد أن يبلغ الرشيد نقضه، بل قال عبد الله بن يوسف التيمي: [من الكامل]

نقض الذي أعطيته نقفور … فعليه دائرة البوار تدور

أبشر أمير المؤمنين فإنه … غنم أتاك به الإله كبير

وقال أبو العتاهية أبياتا، وعرضت على الرشيد، فقال: أوقد فعلها؟! فكر راجعا في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده، وحاز جهاده.

وفي ذلك يقول أبو العتاهية (٢): [من الوافر]

ألا بادت هرقلة بالخراب … من الملك الموفق للصواب

غدا هارون يرعد بالمنايا … ويبرق بالمذكرة القضاب

ورايات يحل النصر فيها … تمر كأنها قطع السحاب


(١) الرخ: قطعة من قطع الشطرنج حرة الحركة.
(٢) الخبر في «تاريخ الطبري» (٨/ ٣٠٧ - ٣١٠)، وأبيات أبي العتاهية في «ديوانه» (ص ٤١)، وفيهما: (نادت) بدل (بادت).

<<  <   >  >>