فالدنيا كدولاب يدور، فما كان أمس .. فهو اليوم حاضر، وما كان اليوم .. فهو غدا، والعاقل من اتعظ بغيره.
قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾.
وهذا العلم يفسح العنان لخيالك؛ كي يسبح في أفق الماضي البعيد، فإذا هو متجسد بين يديك، وكأنك تجالس أعلامه، وتذاكر أيامه وساعاته؛ ولهذا تداولته الأمم: أمة بعد أمة، وجيلا بعد جيل.
قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى مادحا علم التاريخ:(أما بعد: فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال.
وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق) (١).
بهذا صدر العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى كتابه، وناهيك به وصفا عريقا لهذا العلم؛ فهو الخبير الخريت فيه، وهو صاحب دراية فيه وتعمق، وفضائل التاريخ جمة كثيرة لا تكاد تحصى.
ومن المناسب هنا: أن نذكر جملا من أقوال جهابذة العلماء الذين تصدوا للتأليف فيه، أو الكلام عليه؛ فإن فيها نفعا لا يدركه إلا من عاينه.
قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى: (اعلم: أن فن التاريخ فن عزيز.