وبعد النظر في كتب أصول الفقه لم أقف على تعريف خاص بالبناء، ولكن هناك إطلاقات توحي بالبناء عند الأصوليون، منها:
١. (بناء العام على الخاص) وعكسه كذلك (١)، "والمراد بالبناء: تخصيصه وتفسيره له، إذا وجد نصان: أحدهما عام، والآخر خاص، وهما متنافيان في النفي والإثبات، فإما أن يكونا من الكتاب، أو أحدهما منه، والآخر من السنة إما متواترًا وغيره، وإما أن يكونا من السنة؛ إما متواترين أو غير متواترين، أو أحدهما متواتر والآخر غير متواتر.
- مثاله: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «فيما سَقَت السَّمَاءُ الْعُشْرُ (٢)(٣).
وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أَوْسُقٍ (٤) صدقة» (٥).
وهذان الحديثان اختلف فيهما الفقهاء، فالحنفية (٦) يوجبون الزكاة في الخارج من الأرض في القليل والكثير، ولا يشترطون النصاب، بناءً على العموم الوارد في الحديث الأول:«فِيمَا سَقَت السَّمَاءُ الْعُشْرُ»، بينما الجمهور (٧) يرون تخصيص العموم لحديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» بأن الزكاة واجبة في كل ما يكال ويدخر إذا بلغ خمسة أوسق (٨).
٢. البناء بمعنى التخريج باستخدام لفظ (يتخرج على):
(١) البحر المحيط (٤/ ٥٣٩)، قواطع الأدلة في الأصول (١/ ٢٠١)، نهاية الوصول في دراية الأصول (٤/ ١٦٤٤)، نفائس الأصول في شرح المحصول (١/ ٣١٣)، إجابة السائل شرح بغية الآمل (ص: ٢٨٦)، ومسألة بناء العام على الخاص وعكسها من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء. (٢) العشر: هو الواحد من العشرة، فيجب في الزرع والثمر الذي سقي بغير بمؤونة العشر: بالإجماع. وهو عبارة عن ١٠%. شرح زاد المستقنع للخليل (٢/ ٣٨٢، بترقيم الشاملة آليًّا). (٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢/ ١٢٦) برقم: (١٤٨٣) (كتاب الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء). (٤) خمسة أوسق: هي ثلاثمائة صاع، وبالرطل العراقي ألف وستمائة، وبالمصري ألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلاً وأربعة أسباع، وبالدمشقي ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع، وبالحلبي مائتان وخمسة وثمانون رطلاً وخمسة أسباع، وبالقدسي مائتان وسبعة وخمسون رطلاً وسبع رطل، بما يساوي في المكاييل الحديثة ٦١٢ كيلو جرام. منتهى الإرادات (١/ ٤٦٩). (٥) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢/ ١٢٦) برقم: (١٤٨٤) (كتاب الزكاة، باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، ومسلم في "صحيحه" (٣/ ٦٦) برقم: (٩٧٩) (كتاب الزكاة). (٦) تحفة الفقهاء (١/ ٢٣١)، بدائع الصنائع (٢/ ٥٩ - ٦٠). (٧) المجموع للنووي (٥/ ٤٥٢)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٣٩٩)، المجموع شرح المهذب (٥/ ٤٥٧)، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (١/ ١٢٥)، المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٤١٥). (٨) ينظر: المستصفى (ص: ٢٥٣)، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص: ٣٤٤).