[المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم تقديم الحج على النكاح.]
اختلف فقهاء الحنابلة في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجب تقدم الحج على النكاح عند عدم الوسع والاستطاعة (١) للحج لمن خاف العنت واحتاج إليه. والقائلون بذلك: الحجاوي، المرداوي، وابن مفلح (٢)، وابن قدامة (٣)(٤).
القول الثاني: يجب تقدم الحج على النكاح لمن له استطاعة للحج، ولا يخاف العنت، وليس له حاجة في النكاح. والقائلون بذلك: السامري، وابن مفلح، وابن قدامة (٥)(٦).
سبب الاختلاف: والذي يظهر لي أن الخلاف يعود لعدم الاستطاعة على الحج، والرغبة في النكاح، هل هي ضرورة أم حاجة؟ فمن رأى أنها ضرورة قدم النكاح على الحج، ومن رأى عدم الحاجة للنكاح قدم الحج.
الأدلة:
أدلة القول الأول: لا يجب تقدم الحج على النكاح عند عدم الوسع والاستطاعة للحج لمن خاف العنت واحتاج إليه.
(١) وذكر أهل التفسير أن الاستطاعة في القرآن على وجهين: أحدهما: سعة المال، والثاني: الإطاقة. نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر (ص: ٨٨/ ٨٩). (٢) هو: أبو عبد الله محمد بن مفلح الحنبلي الإمام العلامة، له مشايخ كثر، منهم ابن مسلم والمزي وغيرهما، وأخذ عنه الشيخ شمس الدين ابن مجيد وغيره، قال عنه الحجاوي: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد منه، له مؤلفات كثيرة، من أعظمها كتاب الفروع، توفي سنة ٧٦٣ هـ. ينظر: المقصد الأرشد (٢/ ٥٢٠)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٤٠). (٣) ينظر: الإقناع (١/ ٣٤٠)، المبدع في شرح المقنع (٣/ ٨٩)، وقال المرداوي في هذه المسألة: على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به أكثرهم؛ لوُجوبِه إذن. ينظر: الإنصاف (٨/ ٤٨). (٤) قال ابن سعيد الكندي: سئل أحمد: إذا كان مع الرجل مال، فإن تزوج به لم يبق معه فضل يحج به، وإن حج خشي على نفسه؟ قال أحمد: إذا لم يكن له صبر عن التزويج تزوج، وترك الحج. الجامع لعلوم الإمام أحمد (٧/ ٥١٤). (٥) ينظر: المستوعب ص: ٤٨٠، الفروع وتصحيح الفروع (٥/ ٢٣٧)، الشرح الكبير على المقنع (٨/ ٤٧)، الإنصاف (٨/ ٤٨)، المبدع في شرح المقنع (٣/ ٨٩)، وقال ابن قدامة: وقيل: يقدم الحج. اختاره بعض الأصحاب، كما لو لم يخفه. المغني (٣/ ٢١٧). (٦) قال ابن سعيد الكندي: ويجب على الرجل الحج إذا كان معه نفقة تبلغه إلى مكة ويرجع، ويخلف نفقة لأهله ما يكفيهم حتى يرجع. الجامع لعلوم الإمام أحمد (٧/ ٥١٥)، "شرح العمدة" كتاب الحج (١/ ١٥٢ - ١٥٣).