فَمَا كَانَ الفُرَاوِيّ يَقُومُ حَتَّى يَقُومَ الحَافِظ أَوَّلاً (١) .
قَالَ أَبُو المَوَاهِب: وَأَنَا كُنْتُ أُذَاكِرُه فِي خَلَوَاتِهِ عَنِ الحُفَّاظِ الَّذِيْنَ لَقِيَهُم، فَقَالَ: أَمَّا بِبَغْدَادَ، فَأَبُو عَامِرٍ العَبْدَرِيّ، وَأَمَّا بِأَصْبَهَانَ، فَأَبُو نَصْرٍ اليُوْنَارَتِيّ، لَكِن إِسْمَاعِيْل الحَافِظ كَانَ أَشهر مِنْهُ.
فَقُلْتُ لَهُ: فَعَلَى هَذَا مَا رَأَى سيدنَا مِثْل نَفْسه.
فَقَالَ: لاَ تَقُلْ هَذَا، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: {فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم} [النَّجْمُ: ٣٢] .
قُلْتُ: فَقَدْ قَالَ: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضُّحَى: ١١] .
فَقَالَ: نَعَمْ، لَوْ قَالَ قَائِل: إِنَّ عَيْنِي لَمْ تَرَ مِثْلِي، لَصَدَقَ (٢) .
قَالَ أَبُو المَوَاهِبِ: وَأَنَا أَقُوْل: لَمْ أَرَ مِثْله وَلاَ مَنِ اجْتَمَع فِيْهِ مَا اجْتَمَع فِيْهِ مِنْ لُزُوم طرِيقَة وَاحِدَة مُدَّة أَرْبَعِيْنَ سَنَةً مِنْ لُزُوم الجَمَاعَة فِي الخَمْس فِي الصَّفّ الأَوّل إِلاَّ مِنْ عذر، وَالاعتكَاف فِي رَمَضَانَ وَعشر ذِي الحِجَّةِ وَعدم التَّطَلُّع إِلَى تَحْصِيل الأَملاَك وَبنَاء الدّور، قَدْ أَسقط ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَعرض عَنْ طلب المنَاصب مِنَ الإِمَامَة وَالخطَابَة، وَأَبَاهَا بَعْدَ أَنْ عرضت عَلَيْهِ، وَقِلَّةِ التِفَاتِه إِلَى الأُمَرَاءِ، وَأَخذِ نَفْسه بِالأَمْرِ بِالمَعْرُوف وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَر، لاَ تَأْخُذُه فِي اللهِ لَوْمَة لاَئِم.
قَالَ لِي: لَمَّا عزمت عَلَى التَّحْدِيْث وَاللهِ الْمطلع أَنَّهُ مَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ حبّ الرِّئَاسَة وَالتَّقَدُّم، بَلْ قُلْتُ: مَتَى أَروِي كُلّ مَا قَدْ سمِعته، وَأَيُّ فَائِدَة فِي كَونِي أُخلِّفُهُ بَعْدِي صَحَائِف؟ فَاسْتَخرتُ الله، وَاسْتَأْذنت أَعيَان شُيُوْخِي وَرُؤَسَاء البَلَد، وَطُفت عَلَيْهِم، فُكُلٌّ قَالَ: وَمَنْ أَحقّ بِهَذَا مِنْكَ؟
فَشرعت فِي ذَلِكَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ، فَقَالَ لِي وَالِدِي أَبُو القَاسِمِ الحَافِظُ: قَالَ لِي جَدِّي القَاضِي أَبُو المُفَضَّل لَمَّا قَدَمت مِنْ سفرِي:
(١) انظر " تذكرة الحفاظ " ٤ / ١٣٣٠ و" طبقات " السبكي ٧ / ٢١٩.(٢) انظر " تذكرة الحفاظ " ٤ / ١٣٣٢ و" طبقات " السبكي ٧ / ٢٢١، ٢٢٢.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.