وكان عمر قد استعمل أبا موسى، وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا ساعيًا وعاملًا عَلَى بعض الصدقات، وهذِه منزلة رفيعة في الثقة والأمانة (١).
وزعم الترمذي أن عمر إنما أنكر عَلَى أبي موسى قول:"الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لك، وإلا فارجع"(٢)، وذلك أن أبا زميل روى عن ابن عباس قَالَ: حَدَّثَني عمر بن الخطاب قَالَ: استأذنت عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا فأذن لي. ثم قَالَ: حسن غريب (٣).
وفيه دلالة على أن طلب الدنيا تمنع من استفادة العلم، وأن كلما ازداد المرء طلبًا لها ازداد جهلًا، وقلَّ علمه، ومن هذا قول أبي هريرة السالف: وإن إخواني من المهاجريق كان يشغلهم السفق بالأسواق (٤)، وروى عقيل عن ابن شهاب أنه قَالَ: إنما سن التسليمات الثلاثة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أتى سعد بن عبادة، فقال:"السلام عليكم"، فلم يردوا، ثم قَالَ:"السلام عليكم"، فلم يردوا، فرجع - صلى الله عليه وسلم -، فلما فقد سعد صوت رسول - صلى الله عليه وسلم -، عرف أنه قد انصرف، فخرج سعد في إثره حَتَى أدركه، فقال: وعليك السلام يا رسول الله، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك. الحديث (٥). وروى حماد بن سلمة، عن أيوب وحبيب، عن محمد، عن أبي هريرة قَالَ:
(١) "التمهيد" ٣/ ١٩٨ - ٢٠١ بتصرف. (٢) إذكار عمر على أبي موسى هذا القول رواه الترمذي في الحديث السابق على حديث أبي زُمَيل، والقول رواه مسلم (٢١٥٣/ ٣٤) من حديث أبي سعيد الخدري. (٣) "سنن الترمذي" ٥/ ٥٤. وحديث ابن عباس رواه الترمذي برقم (٢٦٩١). وأصله في مسلم (١٤٧٩/ ٣٠). وانظر ما سيأتي برقم (٥١٩١). (٤) سلف برقم (١١٨) وسلف أول البيوع (٢٠٤٧) ورواه مسلم (٢٤٩٢). (٥) حديث سعد بن عبادة رواه عبد الرزاق في "المصنف" ١٠/ ٣٨٣ - ٣٨٤ (١٩٤٢٥)، وعنه أحمد ٣/ ١٣٨، والبيهقي ٧/ ٢٨٧، والضياء في "المختارة" ٥/ ١٥٧ - ١٥٨ (١٧٨٣ - ١٧٨٤) من طريق معمر عن ثابت عن أنس أو غيره أن =