أقول: هذا أنشده أبو علي ولم يعزه إلى قائله (٣)، وقبله:
وأنا النذير بِحَرَّةٍ مسودة … تصل الجيوش إليكم أقوادها (٤)
وهما من الكامل وفيه الإضمار.
١ - قوله:"النذير": من الإنذار وهو الإعلام، والنذير هو المعلم الَّذي يخوف القوم بما يكون دهمهم من عدو أو غيره، وهو المخوف أيضًا، وكذلك النذر، قوله:"بحرة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي أرض ذات حجارة سود، ولكن المراد به هاهنا: الكتيبة المسودة بكثرة حديدها، قوله:"تصل الجيوش إليكم" وفي رواية أبي علي: تصل الأعم إليكم، والأعم: الكلأ الكثير وكذلك العميم، و"الأقواد": جمع قود -بفتح القاف والواو؛ وهي الجماعة من الخيل.
٢ - قوله:"أبناؤها" أي: أبناء الكتيبة وأراد رجالها، وأراد بآبائهم رؤساءَهم قوله:"متكنفون" يريد قد صاروا حوله على أكنافه، يعني: قد أَحْدَقُوا برأس الكتيبة فجعله لهم بمنزلة الأب؛ إذ كان يقوم بأمورهم ويأمر فيهم وينهى.
قوله:"حنقوا الصدور" أصله: حنقون؛ جمع حَنِق -بفتح الحاء وكسر النون وهو صفة مشبهة من الحَنَق -بفتحتين وهو الغيظُ.
قوله:"وما هم أولادها" أي: ليسوا بأولاد الكتيبة على الحقيقة؛ يعني؛ لم تلدهم الكتيبة وإنما هم أبناؤهم على مجاز قول العرب:"بنو فلان بنو الحرب" ومن ذلك قول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - لبعض مَنْ خَاطَبَهُ:"أَوَ تُعَيِّرُنِي قُرَيشٌ بقِلَّةِ العلم بالحرب وأنا ابنُها؛ لقد نَهَضْتُ فيها وما بلغتُ العشرينَ، وَهَا أنا ابنُ ستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع"، والعرب تقول: أنا ابنُ بجدة الأرضِ، إذا كان عالمًا بها.
الإعراب:
قوله:"أبناؤها": مرفوع بالابتداء، وقوله:"متكنفون أباهم": خبره، و"متكنفون": جملة من
(١) شرح ابن عقيل على الألفية (١/ ٣٠٢). (٢) البيت من بحر الكامل لم ينسب إلى قائل، وهو في الأشباه والنظائر (٣/ ١٢٣)، والمعجم المفصل (١٩١). (٣) بحثت عنه في كتب أبي علي الميسرة فلم أجده. (٤) روايته في (أ): أقوادها.