فَارْتَحِلُوا، وَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَأَطْفَأَتْ نِيرَانَهُمْ، وَقَطَعَتْ أَرْسَانَ خُيُولِهِمْ، وَانْطَلَقُوا مُنْهَزِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}[الأحزاب: ٢٥]، قَالَ: فَنَدَبَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَهُ (١) فِي طَلَبِهِمْ، فَطَلَبُوهُمْ حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، قَالَ: فَرَجَعُوا، قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأْمَتَهُ، وَاغْتَسَلَ، وَاسْتَجْمَرَ، فَنَادَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - جِبْرِيلُ: عَذِيرَكَ مِنْ مُحَارِبٍ، أَلَا أَرَاكَ قَدْ وَضَعْتَ اللَّأْمَةَ؟ وَلَمْ نَضَعْهَا نَحْنُ بَعْدُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَزِعًا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:"عَزَمْتُ (٢) عَلَيْكُمْ ألا تُصَلُّوا الْعَصْرَ، حَتَّى تَأْتُوا بَنِي قُرَيظَةَ"، فَغَرَبَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُرِدْ أَنْ تَدَعُوا الصَّلَاةَ، فَصَلُّوا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّا لَفِي عَزِيمَةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَمَا عَلَيْنَا مِنْ بَأْسٍ، فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَتَرَكَتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا (٣) قَالَ: فَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَمَرَّ بِمَجَالِسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ:"هَلْ مَرَّ بِكُمْ مِنْ أَحَدٍ"؟ فَقَالُوا: نَعَمْ (*)، مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ (٤) تَحْتَهُ قَطِيفَةُ (٥) دِيبَاجٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ جِبْرِيلُ، أُرْسِلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، لِيُزَلْزِلَ حُصُونَهُمْ، وَيَقذِفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ"، فَحَاصَرَهُمْ أَصحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا انْتَهَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَهُمْ (٦) أَنْ يَسْتُرُوهُ بِجُحَفِهِمْ لِيَقُوهُ الْحِجَارَةَ، حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ، فَفَعَلُوا فَنَادَاهُمْ:"يَا إِخوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ"، فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا كنْتَ فَاحِشًا، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ
(١) في الأصل: "أصحابهم". (٢) العزم: القسم. وعزمت عليك: أي: أمرتك أمرا جدا. (انظر: اللسان، مادة: عزم). (٣) قوله: "وتركت طائفة إيمانا واحتسابا" ليس في الأصل، واستدركناه من المصدر السابق. (*) [٣/ ٧٥ أ]. (٤) الشهباء: التي يغلب بياضُها سوادَها. (انظر: النهاية، مادة: شهب). (٥) القطيفة: نسيجٌ من الحرير أو القطن ذو أهداب (زوائد) تُتَّخَذ منه ثياب وفُرُش. (انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، مادة: قطف). (٦) ليس في الأصل، واستدركناه من المصدر السابق.