لوجوده من مرجح لَهُ عَلَى العدم، وَهَذَا أمر ضروري فِي العقل لا نزاع فِيهِ، فظهر منه أَنَّهُ لا بد للموجودات من موجد أوجده.
فَإِن قيل: يبطل هَذَا بالخالق فَإِنَّهُ موجود لا بموجد.
قلنا: الخالق واجب الوجود لَمْ يزل، وَهَذِهِ الأشياء جائزة الوجود وبدت بَعْد عدم فافتقر إِلَى موجد.
ويزيد مَا قلنا إيضاحا فنقول: اعلم أَن الأدلة عَلَى إثبات الصانع بعدد أجزاء أعيان الموجودات كلها، إذ مَا من شَيْء إلا وفيه دليل عَلَى صانعه، وَفِي كُل شَيْء لَهُ آية تَدُل عَلَى أَنَّهُ واحد، وَقَدْ ثبت فِي الأزمان أَنَّهُ لا كتابة إلا بكاتب، ولا بناء إلا ببان.
ومن الدليل عَلَيْهِ نظم العالم وتركيبه وترتيبه وإحكام صنعته، فَإِن تفكرت فِي هذه عَلَى لطف جرمها، كَيْفَ كونت وركبت أعضاؤها، ثم قد ركبت فِيهَا علم مصالحها، واجتناب مضارها، ومناقد أغذيتها، وسمعها وبصرها.