لم يذكر في مسائل الشركة إلا هذه المسائل الثلاث (١)، ومع ذلك اتَّحد المأخذ فيهنَّ جميعًا، وهذا مشعر بجلاء إلى أن هذا المعنى هو سبب الضيق عند الشافعيَّة.
وهنا تنبيه: وهو أنَّ الشافعيَّة وإن قالوا بأن الشركات مخصوصة بالمال إلا أنهم قالوا بصحة المضاربة، ومعلوم أنها على غير مال، وأجاب الشافعيَّة عن ذلك بأن الإجماع منعقد على جوازها، ومستند هذا الإجماع ما أخرجه مالك ﵀ في قصة ابني عمر مع عمر وأبي موسى ﵃ كما ذهب إلى ذلك بعضهم (٢)، وقال بعض الشافعيَّة: مستند الإجماع إباحة الشارع لعقد المساقاة (٣).
(١) انظر: النكت في المختلف (١/ ٤٨٩ - ٤٩٦). (٢) انظر: الحاوي الكبير (٧/ ٣٠٥). والأثر رواه مالك في «الموطأ» (٤/ ٩٩٢) (كتاب القراض، باب ما جاء في القراض) رقم (٢٥٣٤) من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: «خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما فيه، ثم قال: بلى، هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأُسْلِفَكماه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا، ففعل فكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله، فسكت، وأما عبيد الله، فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضًا. فقال عمر: قد جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال»، وإسناده صحيح. انظر: الحنَّائيات (١/ ٢٧٤)، التلخيص الحبير (٣/ ١٢٧)، ما صح من آثار الصحابة في الفقه (٢/ ٩٤٦). (٣) نقل أبو المعالي الجويني ﵀ في نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ٤٣٧) عن الشافعي ﵀ قوله: «الإجماع وإن كان حجة قاطعة سمعية، فلا يتحكم أهل الإجماع بإجماعهم، وإنما يصدر الإجماع عن أصل، فنبه ﵁ على وجوب البحث عن أصل هذا الإجماع، على من يبغي النظر في مأخذ الشريعة، ثم رأى ﵁ أن يتخذ خبر المساقاة أصل الإجماع». ثم ذكر قصة عمر مع ابنيه ﵄، وقال: «وليس في هذا كثير تعلق عندنا، ولا يجوز أن يكون للإجماع مستند يحتاج الناظر إلى الغوص عليه، وتدقيق النظر في دركه إلى هذا الحد، ولا بد وأن يكون للإجماع صدر عن أصل، ويبعد في مطرد العرف خفاؤه، فلا وجه فيه إلا القطع بأنهم ألفوا هذه المعاملة في عصر رسول الله ﷺ شائعة بين المتعاملين وتحققوا التقرير عليها شرعًا، وكان شيوع ذلك في الخلق أظهر من أن يحتاج فيه إلى نقل أقاصيص، فكان الإجماع عن مثل هذا. واستقصاء ذلك في الأصول» نهاية المطلب في دراية المذهب (٧/ ٤٣٩).