للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وجوابه -والله أعلم-: أن المراد بالسَّعة والضيق هنا هو النسبة بين المذاهب لا في أصل التشريع، ولذا فالمذهب المضيِّق هو داخل في أصل التيسير والسَّعة الذي جاءت به الشريعة، ولكنه مضيِّق بالنِّسْبة إلى مذهب غيره، وكذا الحال في الموسِّع.

وإنما قيل هذا لأنَّه لا يمكن أن يقول مقلّدٌ -فضلًا عن عالم- بقول يعلم فيه شدة وضيقًا تحصل بها المنافاة لأصل التشريع، وإنما هو ضيق باعتبار غيره من الأقوال؛ ولذا يصح أن يقال: إن هذا الاصطلاح نسبي. ولأجل هذا صيغ لفظ (أوسع، وأضيق) من أفعل التفضيل (١)، وهي صيغة تقتضي وقوع الاشتراك غالبًا (٢).

وبالجملة فقد استعمل العلماءُ هذا الاصطلاحَ على هذا المعنى في مسائل الفقه، من ذلك قول الماوردي عن قول مالك في حكم اختلاف النيَّة بين الإمام والمأموم «هو أضيق المذاهب» (٣)، وذكر ابن المبرد أن في مذهب أحمد «مسائل كثيرة مذهبه فيها أضيق المذاهب، وأشد المذاهب» (٤).


(١) انظر في كلام النحاة على أفعل التفضيل: شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ١٢٠)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٥٠)، شرح الأشموني لألفية ابن مالك (٢/ ٢٩٨).
(٢) انظر: تفسير السخاوي (١/ ٩٧)، العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (١/ ٣٤٠)، تفسير القاسمي محاسن التأويل (٢/ ١٠)، النحو الوافي (٣/ ٤٠٦).
(٣) الحاوي الكبير (٢/ ٣١٦). وانظر أيضًا: العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (١/ ٥٨٢).
(٤) نقله عنه أحمد المنقور في الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (١/ ٥٤). وأنبه إلى أن ابن المبرد قد قال قبل ذلك: «إذا نظرت على مذهب أحمد في مسائل كثيرة، وجدته وسطًا». انظر: الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (١/ ٥٢).

<<  <   >  >>