وهنا تنبيه، وهو: أنه ترتَّب على القول بتحريم الصلاة في هذه المواضع فساد الصلاة عند الحنابلة، وسبب ذلك: أنهم قالوا: إنَّ النهي في مسائل الباب مقتضٍ للفساد، ولخَّص مذهب الحنابلة في مسألة اقتضاء النهي الفساد ابن رجب في قواعده (١)، وحاصل ما قال: أنَّ النهي إذا عاد إلى ذات العبادة، أو إلى شرط فيها -سواء كان الشرط مختصا بالعبادة أو غير مختص بها- فإنَّ العبادة لا تصح (٢)، وأمَّا إذا عاد النهي إلى غير شرط فيها فإن العبادة تصح (٣).
ولاقتضاء النهي الفساد قال الحنابلة بفساد الصلاة في الأرض المغصوبة، وذلك أنَّ الإجماع -كما تقدَّم- منعقد على تحريم الصلاة فيها، لكنَّ الحنابلة جعلوا النهي في هذه الحالة يعود إلى شرط في العبادة، والنهي في هذه الحالة يقتضي الفساد كذلك (٤)، والجمهور ينازعونهم في ذلك ويرون أن بين الجهتين انفكاكًا، فعلى ذلك تصح الصلاة مع حصول الإثم (٥). وهذه المسألة وهي مسألة اقتضاء النهي
(١) ذكر ذلك في القاعدة التاسعة من قواعده. انظر: القواعد (ص: ١٢). وانظر أيضا: العدة في أصول الفقه (٢/ ٤٣٢)، أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٧٣٠)، التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨٦). (٢) يمثل للشرط المختص بالعبادة باجتناب النجاسة في الصلاة، فالمصلي إذا صلى بالنجاسة فصلاته باطلة لا تصح، واجتناب النجاسة مطالب به المصلي دون غيره، ويمثل للشرط غير المختص بالعبادة بستر العورة، فستر العورة مطالب به المصلي وغير المصلي. انظر: المصدر السابق. (٣) ويمثل لذلك بالمصلي إذا صلى وعليه خاتم ذهب، أو توضأ من آنية محرمة كآنية الذهب والفضة، فليس من شرط الصلاة عدم لبس خاتم الذهب، وليس من شروط الوضوء أيضًا الآنية، وعلى ذلك فالنهي والحالة هذه ليس بمفسد للعبادة. انظر: المصدر السابق. (٤) انظر: الممتع في شرح المقنع لابن المنجى (١/ ٣٢٠)، شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٢٨٠)، كشَّاف القناع (١/ ٢٩٥). (٥) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١١٦)، التاج والإكليل لمختصر خليل (٢/ ١٩٣)، المهذَّب للشيرازي (١/ ١٢٣)، ويقول ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة - كتاب الصلاة (ص: ٢٧٩): «قولهم النهي لمعنى في غير المنهي عنه وهي مأمور بها من وجه آخر ليس بجيد؛ لأن هذه الصلاة المعينة لم يأمر الله بها قط، بل نهى عنها لمعنى فيها ولمعنى في غيرها، فإنَّ التقرُّب إلى الله بالحركات المحرمة وبالزينة المحرمة توجب أن تكون المفسدة في نفس حركات الصلاة، ونفس الزينة التي هي شرط الصلاة».