والسبب الثاني: اختلاف الحنابلة مع الجمهور في النهي الوارد عن الصلاة في هذه المواضع هل نهي تحريم أم كراهة؟ فالجمهور حملوا النهي على الكراهة، والحنابلة حملوه على التحريم، والذي حمل الجمهور على الكراهة أمران:
الأول: أنَّ أحاديث النهي غير سالمة من المعارضة؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ أطلق إباحة الصلاة في جميع المواضع كما في حديث جابر ﵁ مرفوعًا:«أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، … » الحديث (١)، فالعموم في الحديث: قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
والأمر الثاني: أنَّ أحاديث النهي -باستثناء معاطن الإبل- متكلَّم في ثبوتها من حيث الجملة، وقد تقدَّم في تخريجها ما يوضح هذا المعنى، أمَّا حديث (جُعِلَتْ لِيَ
= ٢١ - وقال ابن قدامة: المبتدأة تجلس أكثر الحيض، وقال المتأخرون: تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي فإذا طهرت اغتسلت مرة ثانية، وإن تكرر ذلك ثلاث مرات أعادت ما صامت في حيضها. انظر: الإنصاف (٢/ ٤٠٠). ٢٢ - وقال ابن قدامة: إن تغيرت عادة الحائض بزيادة أو تقدم أو تأخر فإنها تصير إليه من غير تكرار، وقال المتأخرون: لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة، حتى يتكرر ثلاثا. انظر: الإنصاف (٢/ ٤٣٧) وقال المرداوي عن قول الموفق: «قلت: وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره». ٢٣ - وقال ابن قدامة: إن انقطع دم النفساء في الأربعين ثم عاد فهو نفاس، وقال المتأخرون: هو دم مشكوك فيه تصلي وتصوم وتقضي الصوم الواجب إذا طهرت. انظر: الإنصاف (٢/ ٤٧٦). فهذه ثلاث وعشرون مسألة تُبيِّن سعة ابن قدامة ﵀ وضيق متأخري الحنابلة في كتاب الطهارة فقط. وبالجملة فإنما ذكرت هذا استظهارًا؛ لأنَّ الجزم بهذا التقعيد يحتاج إلى استقراء أعمق، ونظرٍ أوسع. ثم يُحتاج كذلك -بعد التأكد من صحة هذا التقعيد- إلى دراسة الأسباب الباعثة على توسع ابن قدامة، والله أعلم. (١) أخرجه البخاري في (كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) (١/ ٩٥) رقم (٤٣٨)، ومسلم في (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) (٢/ ٦٣) رقم (٥٢١).