لأنه في حال ربضه لا يستر، وفي حال قيامه لا يثبت ولا يستر. والحمام موضع الأوساخ والبول، فنهي عن الصلاة فيها لذلك. وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة؛ لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها، ومتى أمكن تعليل الحكم تعيَّن تعليله، وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكّم، فعلى هذا يمكن قصر الحكم على ما هو مظنة منها، فلا يثبت حكم المنع في موضع المسلخ من الحمام، ولا في سطحه؛ لعدم المظنة فيه، وكذلك ما أشبهه» (١).
(١) المغني (٢/ ٥٣) بتصرُّف. وانظر أيضًا: الشرح الكبير على المقنع (٣/ ٣٠٠)، الإنصاف (٣/ ٣٠٥). وقال ابن قدامة ﵀ في مسألة أخرى: «التعليل واجب مهما أمكن، وقد أمكن هاهنا، فلا يصار إلى التعبد المحض» المغني (٦/ ٣١٩). وبالجملة فيظهر لي -والله أعلم- أنَّ مذهب الموفق ابن قدامة ﵀ خاصة في ربع العبادات أوسع من مذهب متأخري الأصحاب الذي استقر عليه مذهب الحنابلة الاصطلاحي. وقد استقرأت كتاب الطَّهارة من كتاب الإنصاف فتبيَّن لي توجُّه هذا الاحتمال، وذلك أنَّ ابن قدامة: ١ - قال بعدم كراهة الماء المتغير بالكافور والعود والدهن، وقال المتأخرون: هو مكروه. انظر: الإنصاف (١/ ٣٩). ٢ - وقال ابن قدامة: الماء إذا تغيَّر أحد أوصافه بطاهر فإنه لا يسلبه الطهوريَّة، وقال المتأخرون: هو طاهر غير مطهر. انظر: الإنصاف (١/ ٥٦). ٣ - وقال ابن قدامة: يصح الوضوء بالماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل، وقال المتأخرون: لا يجوز. انظر: الإنصاف (١/ ٦٨). ٤ - وقال ابن قدامة: التسمية في الوضوء والغسل سنة، وقال المتأخرون: التسمية واجبة. انظر: الإنصاف (٢/ ١٤١). ٥ - وقال ابن قدامة: يسن الختان للنساء، وقال المتأخرون: ختان النساء واجب. انظر: الإنصاف (١/ ٢٦٦). ٦ - وقال ابن قدامة: يسن غسل اليدين للقائم من نوم الليل، وقال المتأخرون: يجب. انظر: الإنصاف (١/ ٢٧٩). =