والذي يظهر لي أن المالكيَّة إنما جنحوا إلى هذا المسلك تمسكًا بأصل سد الذرائع، وقد تقدم قريبًا في باب القصاص (أن المالكيَّة هم أوسع المذاهب إعمالًا لهذا الأصل). وهنا في باب السرقة يلحظ ذلك في أثناء نصوصهم، من ذلك أن القاضي عبد الوهاب ﵀ لما ذكر مسألة اللص الظريف -وهو من يدعي ملك المال بعد ثبوت السرقة- قال:«القطع شرع لصيانة الأموال وحفظها، وفي قبول دعوى السارق ذريعة إلى إسقاط هذا المعنى؛ لأن كل سارق يمكن أن يدعي المسروق لنفسه ليتخلص من القطع»(١)، وقال في مسألة الاشتراك في السرقة:«القطع شرع لصيانة الأموال لئلا تهتك ويجترأ عليها، كالقصاص المشروع لحفظ النفوس ثم كان الاشتراك في القتل لا يمنع القود؛ لأن في منعه إبطال الغرض الذي وضع له، كذلك الاشتراك»(٢). ويقال في باب الزنى ما قيل في باب السرقة، بل يصح القول: إن المالكيَّة لهم ميل واضح إلى إقامة الحد في جميع أنواع الحدود.
والأمر الثاني: أن الظاهرية لهم ميل جلي إلى إقامة الحدود، وذلك راجع إلى هذا السبب بعينه؛ إذ إنهم لم يقولوا بأصل القاعدة، وقد قرَّر ابن حزم ﵀ هذا المعنى بوضوح، ومن ذلك أنه قال: «ذهب قوم إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات، وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة وإنما هو الحق
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (٢/ ٩٥٤). (٢) المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ١٤١٨).