نصابًا كاملًا من حرز مثله لا شبهة له فيه، وهو من أهل القطع» (١). والمتأمل يعلم أن الحنفيَّة يوافقونهم في جميع هذه القيود سوى انتفاء الشبهة، فصار هو سبب الخلاف في الباب.
وأما الحنابلة: فابن قدامة ﵀ يذكر في جملة من المسائل أنَّ الدليل في وجوب الحد هو العموم، ويقرر عدم وجود الشبهة في محل النزاع كما في مسألة السرقة من الضيف (٢)، والسرقة من الأقارب (٣)، والاشتراك في السرقة مع غير المكلف (٤)، وكيفية إخراج المال من الحرز (٥).
وأختم هذا المطلب بالإشارة إلى أمور:
الأمر الأول: أن الاختلاف في قوة الشبهة وضعفها هو الذي أدى بالمالكيَّة إلى الضيق في الباب؛ وذلك أنهم قالوا فيما انفردوا به من المسائل -كالسرقة من المغنم، والسرقة من بيت المال، والسرقة من مال الوالد-: إن الشبهة لا تقوى على درء الحد، في حين رأى الجمهور أن تلك من الشبهات القوية التي يدرأ بها الحد (٦). وفي ذلك يقول بهرام ﵀:«لم يراع أهل المذهب الشبهة التي في بيت المال للسارق، وكذلك على المشهور في الغنيمة؛ لضعفها»(٧).
(١) (٢/ ٣٠٩). ذكر ذلك في باب مهم وهو (المآخذ المختلف فيها بين الأئمة التي يبنى عليها فروع فقهية). انظر: الأشباه والنظائر للسبكي (٢/ ٢٥٤ - ٣٠٩). (٢) انظر: المغني (٩/ ١١٥). (٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٧٤). (٤) انظر: المغني (٩/ ١٥٣). (٥) انظر: المغني (٩/ ١١٧). (٦) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (٢/ ٩٥٠، ٩٥١)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٣٥)، المغني لابن قدامة (٩/ ١٣٤، ١٣٥)، كشاف القناع (٦/ ١٤١). (٧) تحبير المختصر على مختصر خليل (٥/ ٣٧٠). وانظر أيضًا: التلقين في الفقه المالكي (٢/ ٢٠١). فائدة: يميل ابن القيم ﵀ إلى أصل قول المالكيَّة -وهو عدم التوسع في الشبه المسقطة للحدود-، ولما ذكر في إعلام الموقعين (٥/ ٢٦٥) جملة من الشبه التي قال بها الحنفيَّة وغيرهم قال: «وكل هذه حيل باطلة لا تسقط القطع، ولا تثير أدنى شبهة، ومحال أن تأتي شريعة بإسقاط عقوبة هذه الجريمة بها، بل ولا سياسة عادلة؛ فإن الشرائع مبنية على مصالح العباد، وفي هذه الحيل أعظم الفساد، ولو أن ملكًا من الملوك وضع عقوبة على جريمة من الجرائم لمصلحة رعيته ثم أسقطها بأمثال هذه الحيل عد متلاعبًا»، ولعل هذا جاء منه لقوة تمسكه بأصل سد الذرائع.