والذي يظهر لي أنَّ سَبَبَ الخلاف في الباب راجع إلى الخلاف في تحديد مقتضى عقد الذمة، ومقصوده، وذلك «القاعدة الشرعية المشهورة في أبواب العقود الشرعية أنا لا [نُبطل] عقدًا من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد دون ما لا ينافي مقصوده وإن كان منهيًّا عن مقارنته معه»(١).
فالحنفيَّة لا يرون عامَّة ما تقدم من المسائل مما ينافي مقتضى عقد الذمة، ويرون أنَّ مقتضى عقد الذمة هو دفع قتالهم؛ ولذا يلحظ الناظر أنَّ النقض عند الحنفيَّة لا يكون إلا في مسألتين لهما تعلق بهذا المقصد، وهما: الذمي يلتحق بدار الكفر، والذمي يغلب على موضع فيحارب أهل الإسلام. وأمَّا ما سوى ذلك -كالامتناع من أداء الجزية، أو الامتناع من أحكام الإسلام، أو الزنى بالمسلمة- فلا نقض فيه؛ لأنه لم يخالف مقتضى عقد الذمة.
وذهب الجمهور إلى أن مقتضى عقد الذمة هو: دفع قتالهم وبذل الجزية وحصول الصغار؛ لقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ولذا قالوا بالنقض في الامتناع من الجزية، والامتناع من أحكام الإسلام، وقالوا -في الجملة- بالنقض في الجاسوس؛ لأنه يشبه الامتناع من الجزية، وقالوا بنقض العهد في قتل الذمي للمسلم؛ لأن فيه ضررًا على المسلمين أشبه ما لو قاتلهم، ونحو هذا في مسائل الخلاف.
(١) الفروق للقرافي (٣/ ١٢). وما بين المعقوفتين جاء في المطبوع (تبطل) ولا يستقيم الكلام معها. والتصحيح جاء من رسالة ماجستير للباحث: سعود العنزي في تحقيق الفروق للقرافي ﵀ (من الفرق السادس والسبعين إلى الفرق الثالث والعشرين والمئة) (ص: ٤٨١).