للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

في العلل يطول ذكرها. وأما الحنابلة فقالوا: الحكم في جميع ما سبق تعبدي غير معقول المعنى.

وهذا الأمر -وهو الاختلاف في التعليل أم التعبد- آل بالجمهور إلى كراهة الصلاة في هذه المواضع؛ لأن النهي لعلل معقولة، وهي: خشية النجاسة أو الشرك أو نفور الإبل أو أذية المارة، أو نحو هذا، وهذه المعاني أمور ظنيَّة لا توجب التحريم، وإن تحقق زوالها فلا كراهة؛ لأن الأحكام تدور مع العلل وجودًا وعدمًا. أما الحنابلة فصاروا إلى التعبُّد؛ ولذا قالوا بالتحريم مطلقًا.

وقد نص على التعليل والتعبُّد جمع من العلماء:

فمن الحنفيَّة: يقول الكاساني «أمَّا معنى النهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة؛ فلكونهما موضع النجاسة. وأمَّا معاطن الإبل فقد قيل: إن معنى النهي فيها أنها لا تخلو عن النجاسات عادة، وقيل: معنى النهي أنَّ الإبل ربما تبول على المصلي فيبتلى بما يفسد صلاته، وهذا لا يتوهم في الغنم. وأمَّا قوارع الطرق فقيل: إنها لا تخلو عن الأرواث والأبوال عادة، فعلى هذا لا فرق بين الطريق الواسع والضيق، وقيل: معنى النهي فيها أنَّه يستضر به المارة، وعلى هذا إذا كان الطريق واسعًا لا يكره، وأمَّا الحمام فمعنى النهي فيه أنَّه مصب الغسالات والنجاسات عادة، فعلى هذا لو صلى في موضع الحمَّامِي لا يكره، وأمَّا المقبرة فقيل: إنما نهي عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود، وقيل: معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات؛ لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه» (١). وهنا نجد الكاساني يُسْهب في بيان العلل الباعثة على المنع، ويشير إلى أنَّ العلة


(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١١٥) بتصرف يسير.

<<  <   >  >>