وهذا ملمح في غاية الأهميَّة، وهو أنَّ من فَهِم أصول مذهبه، وتدرَّب عليها أوشك أن يقول فيما لم يبلغه في تلك المسائل بحسب تلك الأصول، وأوشك أن يقول في الحوادث والنوازل على مقتضى تلك الأصول والقواعد أيضًا، ولا شك أنَّ هذا في منتهى الفهم للمذهب الذي ينتسب إليه.
ومن هنا جاءت بعض عبارات محققي فقهاء المذاهب بأن تلك المسألة جارية على قواعد المذهب أو غير جارية (١).
(١) هذا الاصطلاح يستعمله العلماء كثيرًا عند عدم الوقوف على نصٍّ في المسألة، أو في ردِّ قول جرى على خلاف القواعد، وبالجملة فاستعمال هذا مستفيض في كل المذاهب. انظر: التجريد للقدوري (٤/ ١٨٢٣)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (٥/ ٢٤١)، مجمع الضمانات (ص: ١٧٠)، المختصر الفقهي لابن عرفة (٩/ ٧٧)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٥/ ٤٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٨/ ٢٦٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٩/ ١١٤)، مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢٩٩)، تصحيح الفروع (١/ ١٣٢، ٢/ ١٠٧)، قواعد ابن رجب (١/ ٥٠٥). وهنا فوائد: الأولى: أنَّه قد يُعرف عن عالم الخروج عن قواعد مذهبه، من ذلك اللخمي ﵀ يقول عنه القاضي عياض ﵀ في ترتيب المدارك وتقريب المسالك (٨/ ١٠٩): «ربما اتبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنده فخرجت اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب». والفائدة الثانية: أن ما تقتضيه قواعد المذهب لا يكون هو المذهب ضرورةً، بل قد يكون الصحيح من المذهب خلاف ما تقتضيه القواعد، ومن تتبع الإنصاف وتصحيح الفروع للمرداوي ﵀ وجد مسائل من هذا النوع، ودونك هذا المثال: قال المرداوي في تصحيح الفروع (٢/ ١٠٧): «قوله [يعني ابن مفلح]: ويصلي فيها، يعني الأمكنة المنهي عن الصلاة فيها التي عددها للعذر، وفي الإعادة روايتان، انتهى، وأطلقهما ابن تميم. إحداهما: لا يعيد، وهو الصحيح، قال في الحاوي الصغير: وإن تعذر تحوله عنها صحت، قلت وهو الصواب. والرواية الثانية: يعيد، وقواعد المذهب تقتضي ذلك، لأن المنع من الصلاة فيها تعبد على الصحيح». فالصحيح هنا -عند المرداوي وغيره- عدم الإعادة، ولكن قواعد المذهب -كما ذكر المرداوي- تقتضي الإعادة. وانظر أيضًا: كشاف القناع (١/ ٢٩٧). والفائدة الثالثة: قال الحطاب ﵀ في مواهب الجليل (١/ ٣٨): «سئل ابن عرفة هل يجوز أن يقال في طريق من الطرق هذا مذهب مالك فأجاب بأن من له معرفة بقواعد المذهب ومشهور أقواله والترجيح والقياس يجوز له ذلك بعد بذل وسعه في تذكره في قواعد المذهب، ومن لم يكن كذلك لا يجوز له ذلك إلا أن يعزوه إلى من قاله قبله كالمازري وابن رشد وغيرهم، نقل ذلك عنه البرزلي في أوائل كتابه».