للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المسألة الرابعة: أنَّ السكران الذي يجب به الحد عند أبي حنيفة هو (من لا يعرف الرجل من المرأة ولا السماء من الأرض)، وأما ما دون ذلك كمن يخلط في كلامه أو يتمايل في مشيته فليس بسكران ولا حدَّ عليه، ولكن قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: من يخلط في كلامه ويهذي فهو سكران، وهو المفتى به عند الحنفيَّة (١). وهذا راجع إلى ما تقرر في غير موضع أن أبا حنيفة يدرأ الحد بأدنى شبهة، ووجه الشبهة: أنَّ السكران «إذا كان يميز بين الأشياء عرفنا أنه مستعمل لعقله مع ما به من السرور، فلا يكون ذلك نهاية في السكر، وفي النقصان شبهة العدم، والحدود تندرئ بالشبهات» (٢)، وقال ابن عابدين : «لما كان السكر متفاوتًا اشترط الإمام أقصاه درءًا للحد».

إذا عُلم هذا التقرير فَهِم الناظر شدَّة نكير كثير من السَّلف والفقهاء على مذهب أهل الكوفة في باب الأشربة، وجعل هذه الاختيارات من قبيل الزلات (٣).


(١) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٥/ ٣١٣)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٤/ ٤١). وقال ابن الهمام : «الحالة التي ذكر [يعني أبا حنيفة] قلما يصل إليها سكران فيؤدي إلى عدم الحد بالسكر».
(٢) العناية شرح الهداية (٥/ ٣١٣).
(٣) روى عبد الله بن أحمد في مسائله (ص: ٤٤٩): «سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان: يقول لو أن رجلًا عمل بكل رخصة، بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع يعني الغناء، وأهل مكة في المتعة -أو كما قال أبي- كان به فاسقًا»، وقال أبو حاتم : «قال أبو حاتم حادثت أحمد بن حنبل فيمن شرب النبيذ من محدثي أهل الكوفة، وسميت له عددًا منهم. فقال: هذه زلات لهم لا نسقط بزلاتهم عدالتهم». انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ٢٦)، وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٥٥): «قال أحمد بن شعيب [يعني النسائي] في كتابه: إنَّ أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلة من عالم وقد حذرنا من زلة العالم ولا حجة في قول أحد مع السنة» وانظر أيضًا: سنن النسائي (١/ ١٠٩٢)، وقال أبو المعالي الجويني عند كلامه على حكم الأشربة في نهاية المطلب (١٧/ ٣٢٥): «مذهب أبي حنيفة مشهور مذكور في الخلاف، مردود عليه بالأخبار والآثار وطرق الاعتبار»، وذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٣٦): أن «تحريم جنس الخمر أشد من تحريم اللحوم الخبيثة» وذكر أيضًا «أن طائفة من أهل المدينة استحلَّت الغناء حتى صار يحكى ذلك عن أهل المدينة وقد قال عيسى بن إسحاق الطباع: سئل مالك عما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء؟ فقال: (إنما يفعله عندنا الفساق). ومعلوم أن هذا أخف مما استحله من استحل الأشربة فإنه ليس في تحريم الغناء من النصوص المستفيضة عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- ما في تحريم الأشربة المسكرة».

<<  <   >  >>