للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ونصَّ ابن الجوزي على أنَّ الخمر معللة، «وأن علة تحريمها الشدَّة المطربة، وهي موجودة في كل شراب مسكر، وعند أبي حنيفة تحريم الخمر غير معلل، وإنما ثبت بالنص» (١).

وقال ابن تيمية : «كل ما كانت فيه هذه الشدَّة المطربة فهو خمر من أي مادة كان: من الحبوب والثمار وغير ذلك، وسواء كان نيئًا أو مطبوخًا» (٢).

وأما سبب اتساع الحنفيَّة في درء حد المسكر فهو راجع عندهم إلى هذا السبب أيضًا، وهو أن الخمر مخصوصة بالعنب النيء، ولا حد فيما سوى ذلك، وراجع أيضًا إلى اتساع الحنفيَّة في الشبهة المسقطة للحد، فدرأ الحنفيَّة الحدَّ عن الأخرس بوجود الشبهة؛ «لأنه لو كان ناطقًا يحتمل أن يخبر بما لا يحد به كإكراه أو غص بلقمة» (٣)، ولم يحد شارب نبيذ التمر والزبيب ولو كان محرمًا؛ لأجل الخلاف فيه، ووجود الخلاف شبهة يدرأ بها الحد (٤).

وقد تقدَّم في باب حد الزنى، وباب السرقة أن الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في الشبهات المسقطة للحد، وهذا الباب لا يخرج عما تقدم؛ ولذا سأكتفي بما ذكرته عن الجمهور هناك؛ لأنَّ مأخذ هذه الأبواب واحد.

وأختم هذا الباب بتنبيه مهم: وهو أن مذهب أبي حنيفة وقريبٌ منه أبو يوسف -رحمهما الله- في غاية الاتساع في باب الأشربة، وعلى ذلك مشى كثير من متقدمي الحنفيَّة، ولكن الفتوى عند المتأخرين جارية على مذهب محمد بن الحسن في كثير من مسائل


(١) التحقيق في أحاديث الخلاف (٢/ ٣٧١) بتصرف يسير.
(٢) مجموع الفتاوى (٣٤/ ١٩٧).
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٤/ ٣٧).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٤/ ٢٠)، اللباب في شرح الكتاب (٣/ ١٩٣).

<<  <   >  >>