القول الثاني: عدم سقوط الحدِّ بالتَّقادم، وهو مذهب الجمهور (١).
وعليه فإن أوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بسقوط الحدِّ بالتقادم، وهم الحنفيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين:
الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ شَهِدَ عَلَى حَدٍّ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَنْ ضِغْنٍ» أخرجه عبد الرزاق (٢).
(١) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (٢/ ٨٦٣)، بحر المذهب للروياني (١٣/ ٣٣)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ١٣٢)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٥/ ٤٥٣)، المبدع في شرح المقنع (٧/ ٤٠٠)، كشاف القناع (٦/ ١٠٣)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (٦/ ١٩٣)، تنبيه: لم أقف على تصريح من المالكيَّة بأن (عدم التقادم) شرط في صحة الشهادة على الزنى سوى ما جاء عن القاضي عبد الوهاب ﵀، ولكن ذكر المالكيَّة شروط شهادة الزنى ولم يذكروا منها عدم التقادم، فعلم من ذلك صحتها ولو كانت بعد حين. انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٦/ ١٧٨)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (٤/ ١٨٥)، بلغة السالك لأقرب المسالك (٤/ ٢٦٥). ويؤيد ذلك أن ابن قدامة نسب القول إلى الإمام مالك، فقال في المغني (٩/ ٧٦): «وإن شهدوا بزنى قديم، أو أقر به، وجب الحد. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم، وأحده بالإقرار به». وبالجملة فسقوط الحد بالتَّقادم مشهور في كتب الفقهاء عن الحنفيَّة دون غيرهم. (٢) أخرجه عبد الرزاق في (كتاب الطلاق، باب لا يؤجل في الحدود) (٧/ ٤٣٢) رقم (١٣٧٦٠). وذكر الأثر أبو يوسف ومحمد بن الحسن بغير إسناد. انظر: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (ص: ٦٨)، الأصل للشيباني (٧/ ٢٥٣). والأثر فيه انقطاع؛ وذلك أنه من رواية أبي عون الثقفي عن عمر ﵁ وأبو عون من الطبقة الرابعة الذين هم (جل روايتهم عن كبار التابعين) ونص أبو حاتم على أنه لم يسمع من سعد، فعدم سماعه من عمر من باب أولى. انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٨٤)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٨)، تقريب التهذيب (١/ ٨٧٤). تنبيه: ذكر جماعة من الفقهاء أنَّ الأثر من رواية الحسن عن عمر، يقول القدوري ﵀ في معرض مناقشته للأثر: «فإن قيل: رواه الحسن عن عمر ولم يلقه. قلنا: مراسيل الحسن أولى من مسانيد غيره». التجريد للقدوري (١١/ ٥٩٢٢). وانظر أيضًا: الحاوي الكبير (١٣/ ٢٣٠)، بحر المذهب للروياني (١٣/ ٣٣)، المغني لابن قدامة (٩/ ٧٦).