وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع من بيع الأعيان الغائبة مطلقًا، وهم الشافعيَّة. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم (٢).
ووجه الدلالة: أن بيع العين الغائبة فيه «غرر ظاهر، فأشبه بيع المعدوم الموصوف؛ كحبل الحبلة وغيره»(٣).
الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» أخرجه الخمسة (٤).
(١) انظر: التجريد للقدوري (٥/ ٢٢١٣)، البناية شرح الهداية (٨/ ٨١)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٤/ ٥٩٣)، المقدمات الممهدات (٢/ ١٩)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (٣/ ٢٥)، التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف على مذهب أحمد (٣/ ٢٦)، الشرح الكبير على المقنع (١١/ ١٠٠)، كشاف القناع (٣/ ٥٦٤). وأنبِّه إلى ثلاثة أمور، الأول: أنَّ الحنفيَّة قالوا بالخيار مطلقًا لكل من اشترى عينًا لم يرها، حتى لو جاءت العين على مثل ما وصفت له. والأمر الثاني: أن المالكيَّة اشترطوا في بيع الأعيان الغائبة: ألا يكون المبيع قريبًا يمكن مشاهدته بلا مشقَّة، وألا يكون المبيع بعيدًا جدًّا كما بين خراسان وإفريقية. والأمر الثالث: أن الحنابلة اشترطوا في بيع الأعيان الغائبة أن تكون فيما يصح السلم فيها. (٢) أخرجه مسلم في (كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه) (٤/ ١٣٩) رقم (١٤١٦). (٣) المجموع شرح المهذب (٩/ ٣٠١). (٤) أخرجه أبو داود في (كتاب الإجارة، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده) (٣/ ٣٠٣) رقم (٣٥٠٤)، والترمذي في (أبواب البيوع عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك) (٢/ ٥١٥) رقم (١٢٣٤)، والنسائي في (كتاب البيوع، باب بيع ما ليس عند البائع) (١/ ٨٩٧) رقم (٤٦٢٥/ ١) وابن ماجه في (أبواب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن)، وأحمد في «مسنده» (مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (٣/ ١٣٩٦) رقم (٦٧٣٨). والحديث صحَّحه جمع من العلماء منهم: الترمذي، والحاكم، والقرطبي، والنووي، والعيني. بل جعل بعض أهل العلم هذا الحديث من أصح أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. حتى نقل ابن عدي ﵀ عن أبي عبد الرحمن الأذرمي ﵀ قوله: «ليس يصح من حديث عمرو بن شعيب إلا هذا أو هذا أصحها». انظر: الكامل في الضعفاء (٦/ ٢٠١)، المستدرك على الصحيحين (٢/ ١٧)، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٤/ ٣٧٥)، المجموع شرح المهذب (٩/ ٢٦٣)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٤/ ٢٢١).