وقال ابن رشد ﵀ في أول كتاب البيوع:«أسباب الفساد العامة أربعة: أحدها: تحريم عين المبيع. والثاني: الربا. والثالث: الغرر. والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما، وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد»(١).
وبدأ الإمام مسلم ﵀ كتاب البيوع في صحيحه بأحاديث الغرر، حتى إنه قدمها على أحاديث الربا (٢)، وما ذاك إلا لأهمية الغرر وعظيم شأنه، يقول النووي ﵀:«النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع ولهذا قدَّمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة»(٣). بل نصَّ أ. د الصديق الضرير ﵀ على أنَّ «أسباب فساد العقود يرجع أكثرها إلى الغرر»(٤).
ولعظيم أمر الغرر وشدَّة الحاجة إليه؛ أفرد القرافي ﵀ الفرق الرابع والعشرين في بيان الغرر المؤثر الذي يفسد به العقد، والغرر غير المؤثر (٥)، وبالجملة فبيان الغرر المؤثر من أهم الأمور؛ إذ «ما من عقد إلا ويتطرَّق إليه نوع من الغرر وإن خفي»(٦).
وبابُ الغرر من الأبواب التي نُصَّ فيها على التوسع والضيق، أشار إلى ذلك
(١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٣/ ١٤٥). (٢) انظر: صحيح مسلم (٣/ ١١٥١) (كتاب البيوع) رقم (١٥١١). (٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٦). (٤) الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي (ص: ١٥). (٥) انظر: الفروق (١/ ١٥٠). وقال ابن الشَّاط ﵀ في حاشيته على الفروق: «ما قاله في هذا الفرق صحيح ظاهر». انظر: إدرار الشروق على أنواء الفروق (١/ ١٥٠). وأفرد القرافي أيضًا فرقًا في بيان العقود التي يفسدها الغرر والعقود التي يكون الغرر فيها شرطًا كالجعالة. انظر: الفروق (٤/ ١٢). وسيأتي في الفرع الأول أنه أفرد أيضًا فرقًا فيما يجوز بيعه من الأعيان الغائبة وما لا يجوز. وحاصل الكلام: أنَّ القرافي أفرد للغرر ثلاثة فروق في كتابه النفيس، وما هذا منه إلا تأكيد لعظيم أمر الغرر في المعاملات. (٦) نهاية المطلب في دراية المذهب (٥/ ٤٠٣).