للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

من خلال النظر في أدلة آحاد المسائل الخلافيَّة في الباب تبيَّن للباحث -والله أعلم- وجود سبب يمكن ردُّ عامَّة مسائل الباب إليه، وهو:

أنَّ الفقهاء اختلفوا في دلالة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فالجمهور جعلوا دلالة الآية نصًّا في فروض الوضوء، فما لم يذكر فيها من هيئات الوضوء فهو من قبيل المستحبات، وأمَّا الحنابلة فرأوا أنَّ الآية مجملة، وجعلوا السنَّة -قوليَّة كانت أو فعليَّة- مبيِّنة لهذا الإجمال، وبهذا انفرد الحنابلة بالقول بوجوب جملة من الهيئات دون الجمهور.

وقد نصَّ على المعنى جملة من فقهاء المذاهب:

فمن الحنفيَّة يقول السرخسي في مسألة الموالاة: «المنصوص عليه في الكتاب غسل الأعضاء، فلو شرطنا الموالاة كان زيادة على النص» (١)، واستدلَّ السرخسي أيضًا على عدم وجوب البسملة في الوضوء بأنَّ «الله تعالى بيّن أركان الوضوء بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ الآية [المائدة: ٦]، ولم يذكر التَّسمِية» (٢).

واستدل القدوري في معرض كلامه على مسألة الترتيب بآية المائدة، وقال: «الواو للجمع، فكأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء؛ فلا يفيد الترتيب» (٣)، واستدل في مسألة الموالاة بالآية، وقال: «والواو لا توجب الموالاة؛ تقول: رأيت زيدًا وعمرًا، وإن تراخت رؤية أحدهما» (٤).


(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥).
(٣) التجريد للقدوري (١/ ١٤٠). وانظر أيضًا: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥).
(٤) التجريد للقدوري (١/ ١٣٣).

<<  <   >  >>