إني لأخزى بكثر الرّسل مطّلبا … بنات فكري وغيري لا أراه خزي
وإنّ من سامني سوء الفعال كمن … يرش بالطلّ صخر التّربة الجرز
أرض بها ينبت الشّري (١) الكريه فمن … يذقه ذاق وجيّ الحبّة الجمز (٢)
لكنّما صنعتي حول القريض فما … نسجي سوى برد قدح معلم الطّرز
وقد تقدّم لي في مدحكم مدح … قصائد ثبتنا عنه ولم نجز
ولما أتاني قاصده بهذه القصيدة وقف يطلب الجواب، وأبى أن ينصرف إلاّ به. وألحّ في الطلاب هذا. وعندي من بقايا تلك الهموم ما أصدأ مرآة الخاطر وقشع سحاب الفكر الماطر، ولم يسعني إلاّ إجابة داعيه، وإحالة رائد القريحة لمساعيه، فنقفت (٣) ما حظر عليه. وكتبت به إليه وهو: [البسيط]
مديح مثلك كالعلياء بالطّرز … في بعضه فرصة تبدو لمنتهز
لو جاء شعرك والصّهباء دائرة … ورمت تمييزه في الذوق لم يمز
مكمّل ليس يحتاج الصّدور به … إلى تتمّة ما ينساق في العجز
في كلّ بيت له معنى يتيه به … وربّة البيت ذات الخصر والعجز
ممكورة طفلة عزّت أماثله … يسقي عجوز طلىّ ليست من العجز
في طيّها كلّ ما يغنى الأنام به … كأن أبياتها كنز من الكنز
بديع نظم أبو حيان ناظمه … ولا قصيدي يحاكيه ولا رجزي
اسمع بقيت أبا حيّان ما بقيت … زهر الكواكب قولا غير محتجز
ولا تبادر إلى عيني معاجلة … واعرف حقيقة عذري حيث لم أجز
من ذا يطاول آفاق السّماء علا … ومن يقابل نظم الدرّ بالخرز
واللّه يعلم أني لا أقول سدى … قولا ولا المين (٤) في طبعي بمرتكز
(١) الشري: الحنظل. اللسان (شري) ٧/ ١٠٦.
(٢) الجمز: برعوم النبت الذي فيه الحبة. اللسان (جمز) ٢/ ٣٥٣.
(٣) نقفت: نظرت. اللسان (نقف) ١٤/ ٢٦٨.
(٤) المين: الكذب. اللسان (مين) ١٣/ ٢٣٦.