وكان له ملك يقوم بمصالحه، ولم يتناول من الجهات درهما، ولا طلب جهة مع كمال أهليته، ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الملك الصالح (١) بعد التونسي لكونه أقرأ من وجد بدمشق من المتصدرين، وكذلك ولي إمامة مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق، ثم تركها، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام.
وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث، وأربعين، وسبعمائة.
وهذا آخر من كان يعد في فنه واحدا في الزمان، وفردا لا يلز (٢) بثان، فلما قرّ القبر بإيابه، ونفضت الأيدي من ترابه تساوت بعده الأنظار، وتواست (٣) لواحد في عدم الإقرار على أن في الأيام منهم شموسا لوامع، وفي الليالي بدورا طوالع، إلا أنه لم ينبغ منهم في هذا الفن متفردا (ص ١٣٤) به واحد، ولا قنع به دون ضم أطراف العلوم الشوارد، بل ما في جلة الوقت ممن أتقن القراءات إلا من جعلها تماما لحليه (٤) من غير نقيصة، ومشاركة في عموم معارفه، لا خصيصة، قلما من تمخض للقراءات، فما منهم رأس ارتفع، ولا واحد عليه مجتمع، وكان موته إذ حمل على أعناق الرجال، وقدم له النعش للارتحال، كما زعم الأول وقال:
(١) تقع غربي الطيبة والجوهرية الحنفية، وقبلي الشامية الجوانية إلى الشرق. قال بدران: وقد وقفت على محل رسومها فخفيت. أوقفها الملك الصالح أبو الحسن إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر المتوفى سنة (٦٤٨ هـ) انظر منادمة الأطلال/ ١١٠. (٢) أي لا يلصق بثان. المكنز الكبير (٣٣١) ومقصوده لا يقارن بغيره. (٣) الأسا: المداواة، والعلاج، وهو الحزن - أيضا - والآسي المداوي، وتواسوا بمعنى تعزوا. اللسان ١/ ٦٣ - ٦٤. (٤) الحلي: كل حلية حليت بها امرأة، أو سيفا ونحوه، والجمع حلي قال تعالى ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً .. ﴾ والحلي: حلي المرأة، وجمعه حلي مثل ثدي وثدي، وقد تكسر الحاء مثل عصي، وحلية: اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة. اللسان ١/ ٧١١.