قال ابن خبيق: ورث داود الطائي عشرين دينارا، فأكلها في عشرين سنة. (١)
وقال ﵁:"صاحب أهل التقوى فإنهم أقلّ مؤونة، وأكثر معونة".
وقيل له يوما: لو تنحّيت عن الشمس إلى الظل؟. فقال: هذه خطى لا أدري كيف تكتب؟. (٢)
توفي داود الطائي ﵁ سنة ستين ومائة. (٣)
(١) حلية الأولياء ٧/ ٣٤٧. (٢) وقيل: إنه صام أربعين سنة ما علم به أحد من أهله، فكان يحمل غداءه معه، ويتصدّق به في الطريق، ويرجع إلى أهله يفطر عشاء، ولا يعلمون أنه صائم!. وقال له رجل: ألا تسرّح لحيتك؟. قال: إني عنها مشغول. قال أبو الربيع الأعرج: دخلت على داود الطائي بيته بعد المغرب، فقرّب لي كسيرات يابسة، فعطشت، فقمت إلى دنّ فيه ماء حار، فقلت: رحمك الله! لو اتّخذت دنّا غير هذا يكون فيه الماء باردا؟. فقال لي: إذا كنت لا أشرب إلا باردا، ولا آكل إلا طيبا، ولا ألبس إلا ليّنا، فما أبقيت لآخرتي؟. (٣) ولما مات جاء ابن السمّاك ووقف على قبره ثم قال: أيها الناس! إن أهل الزهد في الدنيا تعجّلوا الراحة على أبدانهم، مع يسير الحساب غدا عليهم، وإن أهل الرغبة فيها تعجّلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب غدا عليهم، والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة، والرغبة تعب لصاحبها في الدنيا والآخرة. رحمك الله أبا سليمان! ما كان أعجب شأنك! ألزمت نفسك الصبر حتى قوّمتها، أجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريّها، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه، أخشنت الملبس وإنما تريد لينه. أبا سليمان! أما كنت تشتهي من الطعام طيبه؟، ومن الماء بارده؟، ومن اللباس لينه؟، بلى، ولكن أخّرت ذلك لما بين يديك، فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت، وما إليه رغبت، فما أيسر ما ضيّعت، وأحقر ما فعلت في جنب ما أمّلت، فمن سعى مثلك عزم عزمك وصبر صبرك، آنس ما يكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما يكون آنس ما يكون الناس. سمعت الحديث، وتركت الناس يحدثون، وتفهّمت في دين الله، وتركتهم يفتون، لا تقبل من السلطان عطيّة، ولا من الإخوان هديّة، سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك، ولا ستر على بابك، فلو رأيت جنازتك وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وأكرمك وألبسك رداء عملك، فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا الستر الجميل والتابع الكثير لكان حقيقا بالاجتهاد، فسبحان من لا يضيع مطيعا، ولا ينسى لأحد صنيعا. ولما فرغ قام أبو بكر النهشلي فقال: يا رب! إن الناس قد قالوا ما عندهم مبلغ ما علموا، اللهم فاغفر له برحمتك، ولا تكله إلى عمله. وفرغ من دفنه وقام الناس.