للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما توفي، رآه بعض الصالحين في المنام، وهو يعدو، فقال له: مالك؟. فقال: " الساعة تخلّصت من السجن ". فاستيقظ الرجل [من منامه]، وارتفع الصّياح [يقول الناس:] مات داود الطّائي.

وقال له رجل: أوصني.

فقال له: " عسكر الموت ينتظرونك".

ودخل عليه بعضهم، فرأى جرّة ماء انبسطت عليها الشمس، فقال له: ألا تحوّلها إلى الظلّ؟.

فقال: " حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي أن يراني الله أمشي لما فيه حظّ نفسي (١) ".

ودخل عليه بعضهم، فجعل ينظر إليه، فقال: أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام؟.

وقال أبو الربيع الواسطي: قلت لداود الطائي: أوصني. فقال: " صم عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفرّ من الناس كفرارك من الأسد (٢) ".


(١) حلية الأولياء ٧/ ٣٥١، ٣٥٢، الكواكب الدرية ١/ ١٠٤.
(٢) وقيل: دخل عليه رجل فقال له: ما حاجتك؟ قال: زيارتك!. فقال: أما أنت فقد فعلت خيرا حين زرت، ولكن انظر ما ينزل بي أنا، إذا قال لي: من أنت لتزار؟. من الزهاد؟ لا والله!، أنت من العبّاد؟ لا والله!، أنت من الصالحين؟ لا والله!، ثم أقبل يوبّخ نفسه: كنت في الشبيبة فاسقا، ولما شبت صرت مرائيا؟. الكواكب الدرية ١/ ١٠٤.
فانظر يا أخي إلى ما كانوا عليه وإلى ما صار حالنا إليه، ثم يأتي أقوام في أيامنا - النحسات - هذه ويقولون بكل صفاقة وتبجح، وسوء أدب - يقولون: " نحن رجال وهم رجال "وهي مقالة لبّس الشيطان عليهم بها، وكان الأجدر أن يقولوا: " هم ذكور ونحن ذكور "اشتركنا معهم في الذكورية لا الرجولة، فيا ترى: هل فعل هؤلاء بعض ما عمله أولئك الرجال من تقوى، وطاعة، وعبادة، وورع، وتلاوة للقرآن، وصيام النهار، وقيام الليل، وغير ذلك من ضروب الطاعات، وصنوف المجاهدات؟، حتى يتجرأ البعض ممن أعمى الله بصره وبصيرته فيقول: " هم رجال ونحن رجال "!!، وكان أحرى بهم أن يعرفوا قدرهم، ويقفوا عند حدهم، لكنه الخذلان - والعياذ بالله -، ونعوذ به منه. فاللهم استرنا بسترك الجميل، واقبلنا على ما فينا، بجاه حبيبك المصطفى لا تردنا خائبين، فليس لنا عمل إلا شبهة محبة هؤلاء العارفين الصادقين، فوفقنا للصدق في محبتهم واجعله بين أيدينا يوم نلقاك يا رب العالمين بحرمة سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين وكل من له جاه آمين.

<<  <  ج: ص:  >  >>