قال أبو علي الدقاق: كان سبب زهد داود: أنه كان يمرّ ببغداد يوما، فنحّاه (١) المطرّقون (٢) بين يدي حميد الطوسي، فالتفت داود، فرأى حميدا، فقال داود: أفّ لدنيا سبقك بها حميد!. فلزم البيت، وأخذ في الجهد والعبادة.
وقال القشيري: سمعت ببغداد بعض الفقراء يقول: إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول:
بأي خدّيك تبدّى البلى … وأي عينيك إذا سالا
وقيل: كان سبب زهده: أنه كان يجالس أبا حنيفة ﵁، فقال له أبو حنيفة يوما:
يا أبا سليمان! أما الأداة (٣) فقد أحكمناها. فقال له داود: فأي شيء بقي؟. فقال: العمل به.
قال داود: فنازعتني نفسي إلى العزلة، فقلت لنفسي: حتى تجالسهم ولا تتكلم في مسألة. قال: فجالستهم سنة لا أتكلم في مسألة، وكانت المسألة تمرّ بي، وأنا إلى الكلام فيها أشدّ نزاعا من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلم. ثم صار أمره إلى ما صار. (٤)
وقيل: حجم "جنيد الحجام" داود الطائي، فأعطاه دينارا، فقيل له: هذا إسراف. فقال:
"لا عبادة لمن لا مروءة له. "(٥)
وكان يقول بالليل:"إلهي! همّك عطّل علي الهموم الدنيوية، وحال بيني وبين الرقاد".
وقالت داية (٦) داود الطائي له: أما تشتهي الخبز؟. فقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية!.
= ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل". وقال: " لا تمهر الدنيا دينك، فمن أمهرها دينه زفت إليه الندم ". (١) أي ردّوه إلى جانبها. (٢) أي الموسعون لها. (٣) الأداة: يقصد العلم. (٤) الرسالة القشيرية ١/ ٨٢. (٥) تاريخ بغداد ٨/ ٣٥٠، وحلية الأولياء ٧/ ٣٥٤. (٦) جارية، وقالت له ذلك حينما رأته لا يأكل الخبز بل يشرب الفتيت.