الدين أنه فاضل؛ فأخرج له منديلا فيه ثوب عتابي، وغلالة، ولباس، وبقيار (١)، وقال لولده: تروح إلى هذا الفقير، وتقول له: والدي يسلّم عليك، ويقول لك:
أنت رجل فقير، وتحضر مجالس الفقهاء في الدرس، وقد أرسل إليك شيئا تلبسه إذا حضرت.
فلما وصل ولده إلى الشيخ شهاب الدين، وقال له ما أوصاه به. سكت ساعة وقال له: يا ولدي! حطّ هذا القماش، وتفضّل واقض لي حاجة. وأخرج له فصّ بلخش (٢) كالبيضة، رمّانيّ اللون، ما ملك أحد في قدره ولونه، وقال: تروح إلى السوق، وتنادي على هذا الفص، ومهما جلب لا تطلق بيعه حتى تعرّفني.
فلما وصل إلى السوق، قعد عند العريف (٣)، ونادى على الفصّ، فانتهى ثمنه إلى خمس وعشرين ألف درهم، فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب حلب، وقال: هذا الفصّ قد جاب هذا الثمن. فأعجب الملك الظاهر قدره، ولونه، وحسنه. فبلغ به إلى ثلاثين ألف
(١): قال الفيروزآبادي في القاموس: "والبقير المشقوق كالمبتور، وبرد يلبس يشق فيلبس بلا كمّين كالبقيرة". انظر: القاموس مادة "بقر". (٢): البلخش: جوهر يجلب من بلخشان، والعجم تقول له: "بذخشان" بذال معجمة، وهي من بلاد التّرك. قاله الخفاجي في "شفاء الغليل ٧٩، وذكر ياقوت أنه" بذخشان "والعامة تسمية" بلخشان " وبذخشان بلدة في أعلى طخارستان متاخمة لبلاد الترك. وقال شرف الدين أحمد بن يوسف التيفاشي" ت: ٦٥١ هجرية ": البلخش والبنفش، والبجادي، ثلاثتها من أشباه الياقوت كما كان الماست والزبرجد من أشياء الزمرّد، وأصل تكوّن أشباه الياقوت الثلاثة المذكورة واحد، وتوجد في مواضع قريب بعضها من بعض، والبلخش ثلاثة أنواع: أحمر يسمى المعقرب، لأن حمرته شبيهة بالحمرة، وأخضر زبرجدي، وأصفر، وأجوده الأحمر. انظر: قصد السبيل للمحبي ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧، ومعجم البلدان لياقوت ١/ ٣٦٠. (٣): العريف: رئيس القوم، سمّي لأنه عرف بذلك، أو النقيب، وهو دون الرئيس. قاله في القاموس، مادة" عرف ".