مجتهدا حاذقا، قال بكر بن (١) عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في الطاق (٢)، فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك، وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالا من دولة خير من حمل من علم، وكان ربيعة يكثر الكلام ويقول: الساكت بين النايم والأخرس، وكان يوما يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابي دخل من البادية، فأطال الوقوف والإنصات إلى كلامه، فظن ربيعة. أنه قد أعجبه كلامه، فقال له: يا أعرابي ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز مع إصابة المعنى، فقال: وما/ (ص ٢٦٩) العيّ قال: ما أنت فيه مذ اليوم، فخجل ربيعة، وكانت وفاته سنة ست وثلاثين (٣) ومائة بالهاشمية وهي مدينة بناها السفاح (٤) بأرض الأنبار، وكان يسكنها، ثم انتقل إلى الأنبار، قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.
(١) بكر بن عبد الله الصنعاني. لم أعثر له على ترجمة. (٢) الطاقة: الفرجة في الجدار، أو النافذة. (٣) انظر وفيات الأعيان ٢/ ٢٩٠. (٤) السفاح: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو العباس، أول خلفاء الدولة العباسية، أحد الدهاة الجبارين من ملوك العرب، بويع بالخلافة بالكوفة سنة ١٣٢ هـ، لقّب بالسفاح لكثرة ما أراق من دماء خصومه، كان فصيحا أديبا عالما. ترجمته في الكامل لابن الاثير ٥/ ١٥٢، وتاريخ الطبري ٤/ ٣٤٤، تاريخ بغداد ١٠/ ٤٦، فوات الوفيات ٢/ ٢١٥، والأعلام ٤/ ٢٥٧.