سيّد سادة، ورأس سيادة، ومثقف رأي لم يعدم سدادة، ومسدد سهم لم يحظ حظه سعادة، قال ابن الحصين: دخلت مكة سنة أربع وخمسين وأربع مائة، والفتنة قائمة بين الحسنيين والسليمانيين منهم، ولم يكن للسليمانيين رأس يقوم بهم بعد الأمير شكر، فتقدم محمد بن جعفر، وأوقع بين بني سليمان، واستولت الهواشم على مكة، وطردوا السليمانيين إلى اليمن، واستقلّ بالأمر وخطب للمستنصر الفاطمي، ثم خطب للقائم العباسي، وأبدل بياض الشعار الفاطمي بسواد الشعار العباسي (١)، وقال وهو يخطب: الحمد لله الذي هدانا أهل بيته للرأي المصيب، وعوض بيته بلبسه السواد بعد لبسه المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومبايعة إمام الجماعة، ثم تكلم بعد هذا بما يناسب، فلما انتهى قام محمد بن إبراهيم الأسدي (٢) أمام قبة العباس وأنشد:
[الوافر]
بني العباس عاد الأمر فيكم … وإرث أبيكم أضحى مستقيما
فزمزم ليس تروي غير تال … مديحكم وفخركم القديما
= قصيرة، واستمر إلى أن توفي، كان على غاية القوة ضرب فارسا بالسيف فقطع درعه وجسده وفرسه، وهو أول من أعاد الخطبة العباسية بمكة، بعد أن قطعت نحو مائة سنة، قال ابن ظهيرة: بالغ ابن الأثير في ذمه، وقال لما ذكر وفاته: (ما له ما يمدح به)، ولعل ذلك لنهبه الحاج وقتله خلقا كثيرا منهم سنة ٤٨٦، ولأخذه حلية الكعبة سنة ٤٦٢، وكانت وفاته عن نيف وسبعين سنة، سنة ٤٨٧ هـ. (الكامل حوادث سنة ٤٨٧، ابن ظهيرة ص ٣٠٧، صبح الأعشى ٤/ ٢٧٠، خلاصة الكلام ص ١٨) (١) كذا بالأصل، والصواب أن يقول: أبدل ببياض الشعار الفاطمي سواد الشعار العباسي، لأن الباء تدخل على المتروك، وهو يقصد أنه لبس السواد بعد البياض كما سيأتي. (٢) محمد بن إبراهيم الأسدي: شاعر من أهل مكة، لقي أبا حسن التهامي في صباه وتصدى لمعارضته، وسافر إلى اليمن والعراق، وخدم الوزير أبا القاسم النغربي، ثم رحل إلى خراسان وتوفي بغزنة سنة ٥٠٠ هـ. (معاهد التنصيص ٣/ ٢٠١، المنتظم ٩/ ١٥٣)