الزهر وفنيت الأفنان، وكان بحره الذي لا يشق، وغمامه الذي لا تخمد له جمرة برق، وصدر مدارسه ومصدر مجالسه، ومفيد طلبته، ومفيت المطامع قدر رتبته، ومفيء دوحه الفينان على عصبته، ومستخرج دقائقه، ومستدرج الأفهام إلى حقائقه، والمتكلم في مذهب ابن إدريس مما حوى حاويه (١)، بما لو سمعه لسره، ولو جمعه في حجر أمه لظهر على الأم (٢) من المسرة، وولي القضاء فما نقص (٣) منه ولا ضره.
كان من وجوه الفقهاء الشافعية، من كبارهم، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعن الشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، وكان حافظا للمذهب، وله كتاب "الحاوي"(٤)، الذي لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحّر والمعرفة التامة بالمذهب. وفوّض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد. وله تصانيف أخر، منها:"النكت والعيون". في تفسير القرآن الكريم. و"أدب الدين والدنيا"(٥)، و"الأحكام السلطانية"(٦)، و"قانون الوزارة وسياسة الملك"(٧)،
(١) إشارة إلى كتاب الحاوي في الفقه للمذكور وهو أوسع كتاب في مذهب الشافعي. (٢) تورية بكتاب الأم للإمام الشافعي. (٣) هنا كلمات متفرقة ضرب عليها المؤلف مما يدل أن المخطوطة التي بين أيدينا هي النسخة التي كان يتعاهدها المؤلف بالمراجعة والتنقيح. (٤) قال الماوردي: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، يعني: الحاوي، واختصرته في أربعين: يعني (الإقناع). انظر: المنتظم لابن الجوزي ٨/ ١٩٩، وتاريخ دولة آل سلجوق ٢٥، وفيه زيادة: "فيا لهما من بحرين نضبا، وبدرين غربا، وطودين وقعا، ودودين وقعا". (٥) ويسمى أيضا: "البغية العليا في أدب الدين والدنيا". (تسمية لأحد المتأخرين). (٦) ويسمى أيضا: "الأحكام السلطانية في السياسة المدنية الشرعية"، و"الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، وهو من أهم كتب فقه السياسة الشرعية في الفقه الإسلامي، وقد طبع عدة طبعات، هو والذي قبله. (٧) "قوانين الوزارة وسياسة الملك"، ذكره ابن خلكان وهو كتاب مطبوع كذلك، ومحقق بتحقيق الدكتور رضوان السيد.