وقيل: إنه لم يظهر شيء من مصنفاته في حياته، وإنما جمعها كلها في مواضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه: الكتب التي في المكان الفلاني تصنيفي كلها!، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر!!. فإذا عاينت الموت، ووقعت في النّزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها!، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة ليلا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قد قبلت. وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة.
قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت، وضعت يده في يدي، فبسطها، ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه [بعده](١).
وذكر الخطيب في أول "تاريخ بغداد"(٢): عن الماوردي - المذكور - قال:
كتب إليّ أخي من البصرة وأنا ببغداد:
طيب الهواء ببغداد يشوّقني … قدما إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت … طيب الهواءين ممدود ومقصور (٣)
وكان أبو الحسن الماوردي من أهل البصرة، وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارها لها، ثم طابت له، ونسي البصرة، فشقّ عليه فراقها، فلما خرج من بغداد راجعا إلى البصرة ينشد أبيات الأحنف بن قيس (٤):
(١) زيادة من وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ٢٨٣. (٢) تاريخ بغداد ٥٤: ١ (والنقل عن ابن خلكان). (٣) يعنى بالممدود الهواء النسيم والهوى المقصور العشق والهيام. (٤) ابن خلكان ٢٨٣: ٣.