بعثت أثير الدين بردا منمّقا … بعثت أثير الدين عقدا مفصّلا
فيعذب فيها للمسامع مجتنى … ويحسن فيها للنواظر مجتلى
بلا ميّة حسناء ما لام عارض … بأحسن منها في الخدود مقبّلا
ومن قبلها جاءت على الدال مثلها … وقد جليت مثل الأهلّة منجلى
فعاينت نور النيّرين مقابلا … وعاينت نوء (١) الغيث والبحر مقبلا
بدال ولام بعدها قد توافيا … وذلك ممّا دلّ فكرا مضلّلا
ذللت على ما ضاع لو كان لحظه … له عن عواديه فداء معجّلا
صحيفة تصنيف أحاط بعينه … بكل لغات الفرس في الدولة الألى
منطّق خرس لا يفوه بلفظة … من القول لولاه ولم يدر مقولا
بألسن فرس كان يخفى حديثهم … فعرّفنا منه طريقا موصّلا
وما هو إلا ترجمان لعلمهم … سنفتح منه كلّما كان مقفلا
له الثمن الغالي على لطف حجمه … كذلك حجم الدرّ في القدر والغلا
لبثنا على تلك الصحيفة مدّة … نحاول منه للصحيفة صيقلا (٢)
ونسأل عنها وهي ليست تجيبنا … كذلك ذات الجود أن تتبدّلا
فعاد إليّ رسوله بالجواب إلاّ أنه انتقل في الوزن والرويّ، وجاء بما أضاء به من قدح زنده: [البسيط]
منطّق الخرس إنس قد كملت فلا … ترى كمثلك شعرا قد سما وعلا
لما اعتنى بك مولى لا نظير له … صرنا بعزّك فينا نضرب المثلا
تزين الفلك الأعلى بزينته … زان الوجود وزان النيرين علا
مولى بذكراه أفواه الورى أرجت … مسكا ودافت بها من ذكره عسلا
قد زيّن الله بالتقوى سريرته … وحسّن القول منه الله والعملا
رشيد فعل شديد في مقالته … فلا نرى خطأ فيه ولا خطلا
فالقول آيات قرآن يردّدها … بالفكر والعمل الزاكي به اتّصلا
(١) نوء الغيث: النوء: النجم إذا مال إلى الغروب. وقيل: المطر الشديد. اللسان (نوأ) ١٤/ ٣١٥.
(٢) صيقل: الصيقل: شحّاذ السيوف. اللسان (صقل) ٧/ ٣٧٧.