وهو كثير المروءة لقصّاده، حسن المعاشرة، طيّب الأخلاق، سخي النفس جدا، محبوب عند الفرق كلها، متودّد إلى الناس، لا يردّ سائلا، ولا يخيّب قاصدا، يحب أهل العلم، ويصلهم كل وقت، ويدنيهم.
وله نيّف وسبعون سنة يدرّس بدمشق، وغالب مفتي مذهبه من الحكام والمدرسين، والمفتيين كانوا فقهاء عنده، وقلّ منهم من درّس وأفتى بغير خطه، وهو محترم عند الدولة، مسموع الكلمة، مقبول القول، لا يصدر عنه إلا الخير، ولا يؤثر عنه إلا الجميل.
ولما قدم السلطان من الكرك - دمشق، في سلطنته الأخيرة، سنة تسع وسبعمائة، تردّد الرازي إليه، وأنفق عليه، وحضرته، وقد جلس هو والقضاة إلى جانب السلطان وقت صلاة الجمعة، بالميدان الصغير، فقرأ القارئ عشرا، فسأل السلطان عن معنى آية منه، فلم تحر القضاة جوابا، فقال هو للسلطان - بالتركي -: هؤلاء حميرا، ما فيهم من يعرف التفسير. ثم أخذ يفسرها له بالتركي.
فقال له: لم لا تقول بالعربي؟.
فقال: لأنّ هؤلاء ما هم أهل لأتن أعلمهم، وإنما الخطيب يعرف عن القزويني، وسيتفرج مولانا السلطان عليّ وعليه، ويظهر له ذلك الوقت جهل هؤلاء القضاة.
فضحك السلطان وجميع من حضر، وفسر أيدمر الدوادار السؤال، لوالدي قوله وأنا أسمع. ثم جاء الخطيب فخطب وصلوا فلما فرغ السلطان وأعاد السؤال فتكلّم هو والرازي وتناظرا، والقضاة سكوت، قد سقطوا من الأعين كلها!.