مصر، وخرج ضرغام وتلاقيا على بلبيس (١) وأجلت الوقعة عن قتل ضرغام وانتصار الأسد الهمام، وانهزم جيش ضرغام إلى القاهرة، ودخل شاور القصر ووزر الوزارة الآخرة، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمس مائة، ونكث عهود شيركوه ومواثقه وساسي تجشمه المشقة وطريقه، ثم خاف شاور فراسل الفرنج مستنصرا، فجاءه الملك مري في خلق كبير، فتحصن شيركوه في قلعة بلبيس، واجتمع شاور ومري عليه، وأحدق به العدو وحصره، وأنجز الله وعده وأيد شيركوه (٢) ونصره، وخرج سالما إلى دمشق، ثم لم يعلم به حتى وصل إلى إطفيح (٣) وعدّى إلى الجيزة، وأقام بها مدة وأنفذ شاور إلى مري واستصرخه، وملأ زقه الفارغ ونفخه، وبذل له مالا عظيما ووعده بمشاطرة
(١) بلبيس: بكسر الباءين وسكون اللام، مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام، فتحت سنة ١٨ أو ١٩ على يد عمرو بن العاص. (ياقوت: بلبيس) (٢) شيركوه: الملك المنصور شيركوه بن شاذي بن مروان، أبو الحارث، أول من ولي مصر من الأكراد الأيوبيين، وهو أخو نجم الدين أيوب، وعم السلطان صلاح الدين، كان من كبار القواد في جيش نور الدين (محمود ابن زنكي) بدمشق، وأرسله نور الدين على رأس جيش إلى مصر سنة ٥٥٨ هـ، نجدة لشاور بن مجير السعدي، وذهب إليها ثانية سنة ٥٦٢ هـ لنجدة ابن أخيه صلاح الدين، وقد حاصره شاور في الإسكندرية، فأصلح ما بينهما، وقويت صلته بالمصريين، وعلم بأن شاور يأتمر لقتله هو ومن معه من كبار القواد، فتعاون مع صلاح الدين على قتل شاور، فقتله وأرسل رأسه إلى الخليفة العاضد، فدعاه العاضد وخلع عليه ولقبه بالملك المنصور، وولاه الوزارة، كان عاقلا مدبرا شجاعا، ولم يقم غير شهرين وخمسة أيام، وتوفي فجأة، ودفن بالقاهرة سنة ٥٦٤ هـ. (النجوم الزاهرة ٥/ في صفحات متعددة، ابن خلكان ١/ ٢٢٧، ابن عساكر ٦/ ٣٥٨، ابن خلدون ٥/ ٢٠٢، مورد اللطافة - ابن تغري بردي ص ٢٣ - ٢٤) (٣) إطفيح: بلد بالصعيد الأدنى من أرض مصر على شاطئ النيل في شرقيّه، وفي قبلته مقام موسى بن عمران ﵇، فيه موضع قدمه، ينسب إلى إطفيح بعض العلماء. (ياقوت: إطفيح)