وبقي كلما عول ازداد مرضا، فتقدّم إلى الربيع (١) بأن يجمع الأطباء لمشاورتهم، فجمعهم، فسألهم عن طبيب ماهر؟. فقالوا: ليس أحد مثل جورجيس رئيس أطباء" جندي سابور "(٢)، فأنفذ لإحضاره، فاستمهله، فاعتقله، فأتاه المطران، ورؤساء المدينة، وأشاروا عليه بالخروج بعد أن أوصى ابنه بختيشوع بأمر البيمارستان، وسائر أموره.
فلما أتى حضرة المنصور، أجلسه، وسأله عن أشياء أجابه عنها بسكون.
فقال له: قد ظفرت منك بما كنت أحبه، وخلع عليه، وأمر له بمنزل ونفقة، وحدّثه بعلّته، ثم نظر إلى قارورة الماء، وأشار عليه بتخفيف الغذاء، ولاطفه حتى عوفي.
ثم لما دنا أجله مرض مرضا مثقلا، وأمر به المنصور فحمل إليه حتى رآه، وعرض عليه الإسلام، فأبي!! (٣)، وسأل أن يحمل إلى بلده ليدفن عند آبائه،
(١): الربيع: وزير المنصور وكاتم سرّه. (٢): جندا سابور: بضم أوله وإسكان ثانيه، مثنى مضاف إلى سابور، مدينة من بلاد فارس، وهي تجري مجرى المثنى، يقال: هذا جندا سابور، ودخلت جندي سابور، وهي من عمل خوزستان في نشز من الأرض، حسنة حصينة، منيعة، تمير من جاورها بخيرها، وبها نخل كثير، وزروع، ومياه، وعمارات وخصب، وفواكه وأسواق جامعة لضروب من الصنائع، وبينها وبين السوس مرحلة. انظر: الروض المعطار ر ٢٩١ (٣): قال ابن أصيبعة: " ولما كان في سنة مائة واثنتين وخمسين، مرض جورجيس مرضا صعبا، وكان الخليفة يرسل إليه في كل يوم الخدم حتى يعرف خبره، ولما اشتد مرض جورجيوس أمر به الخليفة فحمل على سرير إلى دار العامة، وخرج إليه الخليفة ماشيا وراءه، وسأله عن خبره، فبكى جورجيوس بكاء شديدا وقال له: إن رأى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن يأذن لي في المسير إلى بلدي لأنظر إلى أهلي وولدي. وإن متّ قبرت مع آبائي. فقال الخليفة: "يا جورجيوس! اتق الله وأسلم، وأنا أضمن لك الجنة". قال جورجيوس: "أنا على دين آبائي أموت، وحيث يكون آبائي أحب أن أكون، إما في الجنة أو في جهنم!! " فضحك الخليفة من قوله وقال له: "وجدت راحة -