يطول روحه على العليل، كثير النزاقة (١)، عديم التلطّف، كارها لأطباء زمانه، لا يذكر أحدا منهم ولا يذكر له إلا وذمّه، وأطلق لسانه في معايبه. وكان يقول:
هؤلاء اليهود قد ارتفع رأسهم، وامتلئوا فوق وسعهم على جهلهم، وقلة حاصلهم، يعني:" السديد الدمياطي "و" فرج الله ابن صغير "ولا يزال يتوقّد منهما غيظا وحسدا لرغبة السلطان والأمراء والكبراء فيهما أكثر منه، وما كان يحصل لهما من الخلع والإطلاقات (٢)، ويصل إليهما من دور السلطان والأمراء لإفراط ميل النساء إلى طبهما، وملاطفتهما. ثم كان إذ ذمّهما يقول لمن يثق به:
"وهذا إبراهيم ابن المغربي هو مادّة عزّ هؤلاء اليهود، وكنز غناهم، وبه طاروا وحلّقوا ". وهذه ألفاظه بعينها.
وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة، مؤقتة من الظهر إلى الظهر.
وكان يحب لبن الضأن، ويكثر أكله. صحبناه مرة في بلاد الصعيد وكان هو قد تقدم مع" طقزدمر "(٣)، وأخبرني أنه لم يأتدم في تلك السفرة على طول أيامها بشيء غير اللبن إلا مرّات يسيرة، وقال: هو غذاء صالح، وللجسم به إلف من أول زمان الرضاع. وكان أنه ينشّفه ويلقي فيه طاقات من النعنع والملح ويأكله.
وكان واسع النعمة كثير المال، ومات أخوه وورث منه مالا كثيرا، فازداد ماله
(١): النزاقة: حدّة الطّبع. (٢): الإطلاقات السلطانية: هي إما تقرير يوافق عليه السلطان أو الملك لما قرره من سبقه من الملوك أو السلطان. وإما ابتداء لتقرير ما لم يكن مقررا من قبل. وإما زيادة على ما هو مقرر، ومن ذلك ما أقره السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب للعمريين أعصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. انظر: صبح الأعشى للقلقشندي ١٣/ ٤١، والتعريف بمصطلحات صبح الأعشى ٣٦. (٣): طقزدمر: الأمير، نائب قوصون أتابك العساكر في سلطنة المنصور أبي بكر بن الناصر محمد بن قلاوون سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من الهجرة. انظر: صبح الأعشى ٤/ ١٨٠.