<في مملكة مالي وما معها (١) > (٤٩٤) اعلم أنّ هذه المملكة في جنوب نهاية الغرب متصلة بالبحر المحيط، قاعدة الملك بها مدينة ييتي (٢)، وهذه المملكة شديدة الحرّ، قشفة المعيشة، قليلة أنواع الأقوات، وأهلها طوال في غاية السواد، وتفلفل الشّعور، وغالب طول أهلها من سوقهم لا من هياكل أبدانهم، وملكها الآن اسمه سليمان (٣) أخو السلطان موسى منسى (٤) بيده ما كان قد جمعه أخوه مما فتحه من بلاد السّودان، وأضافه إلى يد الإسلام، وبنى به المساجد والجوامع والمواذن، وأقام به الجمع والجماعات والأذان، وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك ﵁، وبقي بها سلطان المسلمين، وتفقه في الدين.
وصاحب هذه المملكة هو المعروف عند أهل مصر بملك التّكرور، ولو سمع هذا أنف منه
(١) قارن بابن بطوطة، (ص ٦٨٠ - ٦٩٦)، فقد زار هذه المملكة في جمادى الأولى سنة ٧٥٣ هـ/ حزيران ١٣٥٢ م، وأمضى فيها قرابة ثمانية أشهر، وترك وصفا مسهبا لأحوالها ومعايشها وجمل شؤونها. (٢) قلت: وقد أخطأ القلقشندي (صبح ٥/ ٢٧٢) في هذا الموضع بالنقل عن "مسالك الأبصار" حيث استبدل بنبي مصطبة السلطان بقاعدة ملكه ييتي، وليس الأمر كذلك في "المسالك". (٣) هو كما يستدل من نسب أخيه السلطان موسى التالي ذكره: سليمان بن أبي بكر التكروري، ولي مملكة مالي بعد وفاة ابن أخيه منسى مغا (السلطان محمد) والمفترضة في سنة ٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ - ١٣٣٠ م واستمر بها إلى ما بعد سنة ٧٥٤ هـ/ ١٣٥٣ م، انظر: ابن بطوطة: ص ٦٨٢ - ٦٨٩، ابن خلدون: ٦/ ٢٠٣، القلقشندي: صبح ٥/ ٢٨٥. (٤) منسى، أو منسا: معناه السلطان، وقد ترجم له ابن خلدون (تاريخه ٦/ ٢٠٢) وابن حجر (الدرر ٥/ ١٥٤ - ١٥٥)، والشوكاني (البدر الطالع ٢/ ٣١٤) ولم يشيروا إلى تاريخ وفاته، لكن يستفاد من تاريخ عوده إلى بلده من الحج وهو سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م عند الذهبي (ذيل العبر، ص ٧٢) أنه مات في هذه السنة أو بعدها بقليل، ففيما يلي من السياق، أن السلطان موسى عاد إلى بلاده بعد أداء فريضة الحج وهو يعتزم ترك ملكه بالكلية لابنه محمد، والعودة إلى مكة مجاورا بها، فأتاه أجله، رحمه الله تعالى.