البحار، ولم تزل في مكانها قاطنة حتى واراه الضريح، وناب القبر عن الصدر، والرثاء عن المديح.
كان زاهدا، عالما، مجتهدا، محجاجا، غوّاصا على المعاني الدقيقة، وهو إمام الشافعيين، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه.
صنّف كتبا كثيرة. وقال الشافعي في حقه:" ناصر (١) مذهبي".
وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصرة، قام إلى المحراب، وصلّى ركعتين شكرا لله تعالى (٢).
وقال ابن سريج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتّبوا، ولكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر، وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقّع الاجتماع بالمزني مدة، ولم يتفق، فاجتمعا يوما في صلاة جنازة، فقال القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئا حتى أسمع كلامه.
فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم التحريم على التحليل؟.
فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أنّ النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلّل. ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم. فاستحسن ذلك منه، وهذا من الأدلة القاطعة.
وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة في كوز نحاس، فقيل له في ذلك؟. فقال: بلغني أنهم يستعملون
(١) في طبقات السبكي: " ناظر "لو ناظر الشيطان لغلبه. وفي وفيات الأعيان" ناصر ". انظر: طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي ٢/ ٩٤، ووفيات الأعيان ١/ ٢١٧. (٢) وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٢١٧.