خصمان؛ فاجترأ أحدهما بحضرته إلى ما أوجب عليه التأديب، فأمر بتأديبه، فأدّب. فمات في الحال!. فكتب إليه المعتضد: اعلم - أمير المؤمنين أطال الله بقاءه - أن خصمين حضراني، فاجترأ أحدهما فأمرت بتأديبه، فمات. وإذا كان المراد بتأديبه مصلحة المسلمين فمات في الأدب، فالدية واجبة في بيت مال المسلمين. فأمير المؤمنين يأمر بحمل الدية لأحملها إلى ورثته.
قال: فعاد الجواب إليه بإنفاذ الأمر، وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر القاضي ورثة المتوفّى، ودفعها إليهم (١).
وقال مكرم بن بكر: كنت في مجلس القاضي أبي خازم؛ فارتفع إليه شيخ وصبي، فادّعى الشيخ على الصبي بألف دينار، فأقرّ الصبي، فطلب الشيخ حبسه.
فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقده البعض، وتسأله إنظارك؟.
فقال: لا. فطلب الشيخ حبسه، قال: فتفرّس القاضي أبو خازم فيهما ساعة ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر.
قال: فقلت: لم أخّر القاضي حبسه؟.
فقال: ويحك إني أعرف في وجه الخصوم وجه المحقّ من المبطل. وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أن سماحة هذا الغلام بالإقرار هي عن بلية وأمر يبعد من الحق، وليس في تلازمهما بطلان حق، ولعلّه ينكشف من أمرهما ما أكون على وثيقة مما أحكم به بينهما، أما رأيت قلة مناظرتهما واختلافهما، وسكون طباعهما، مع عظم المال، وما جرت به العادة بالإقرار عجلا بمثل هذا المال.
قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل على القاضي رجل موسر، فقال: قد بليت بابن لي يتلف كل ما يظفر به من مالي!، وإن منعته المال يحتال بحيلة أضطرّ إلى
(١) تاريخ بغداد ١١/ ٦٥. والمنتظم لابن الجوزي ٦/ ٥٤ - ٥٥.