للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سنين، وانفصل فأقام بدمشق مدرّسا معظّما، مقصودا إلى حين وفاته.

وأول اشتغاله على ابن يونس (١) شارح "التنبيه" (٢).

مولده في ربيع الآخر، سنة ثمان وستمائة بإربل. وحكي أنه كان في زمن صباه أيام اشتغاله بحلب يحب غلاما بها كان في بعض الأحايين يغشاه (٣)، ويسل عليه سيوف حدقه ولا يخشاه، فانقطع عنه مدة لم يستطع هو فيها أن يقصده لكشف خبره، ويتعرّف ما الذي أوجب حجب قمره، فأتاه الغلام كالعاتب، فألفاه وهو في تقييد درسه يملي على كاتب، فقام إليه وعزم عليه أن يجلس إليه ساعة يقضي بها فائت نظره، ويقنع بها في الدنيا من وطره، فقال له:

اقعد واشتغل في الفقه على ذلك، ولا تخدعني بمحالك، فقال:

وما تغيرت عن ذاك الوداد ولا … حالت بي الحال عن عهدي وميثاقي

درسي غرامي بكم دهري أكرره … فقد تفقّهت في وجدي وأشواقي

فثنى ذلك الغزال جيده وولى، وقد أوقد النار في جوانحه وأصلى، وبقي مدة لا يزوره، ولا يأذن له، فيعود إليه سروره، فكتب إليه:

ولما أن تفرّقنا … وحالت نوب الدهر

رأيت الشهد لا يحلو … فما ظنك بالصبر؟

فكان هذا معه سبب صلحه، وعفوه عن ذنوبه، وصفحه.

وحكي أنه كان يهوى بعض أبناء الأمراء، ولا يزيده لائمه فيه غير الإغراء، ولا يزال يتتبع مظانّه إذا ركب ليرى قمره الطالع، وجبينه، وكان ذا خال طبع الحسن عليه طابع، ويتقصّد المرور به وهو في الموكب يترنّح غصن قوامه،


(١) هو محمد بن يونس ابن منعة السابق ذكره قبل قليل.
(٢) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ١٦٧.
(٣) أي يحضر دروسه، ويتلقى عليه العلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>